رسوم لشخصيات موريتانية في القرن التاسع عشر

الدكتور سيدي أحمد ولد الأمير /

توجد بعض الرسوم اليدوية لبعض الأعلام الموريتانيين رسمها بعض الرحالة الأوروبيين ممن جاءوا لموريتانيا في مهمات استكشافية في القرن التاسع عشر. وتوجد هذه الرسوم أو « البورتريهات » ملحقة غالبا مع النصوص التي كتبها أولئك الرحالة في كتب أو مقالات منشورة منذ ذلك التاريخ، كما يوجد بعضها محفوظا في بعض المكتبات العالمية.

في هذا المقالة سوف أعرض رسوما لأربعة أعيان موريتانيين، وللظروف التي تم فيها إنجاز هذه الرسوم، وهي منشورة كلها في كتب أو في مجلات يعود تاريخها للقرن التاسع عشر الميلادي. وكنت قد اطلعت في الخزانة العامة بالرباط بالمغرب في سنة ماضية على رسوم جميلة من هذه الرسوم وهي لبعض الشخصيات من قبيلة إدوعيش، لكن موظفي الخزانة لم يقبلوا –مع الأسف- تصويرها.

الرسم الأول: الشيخ سيدي أحمد البكاي بن الشيخ سيدي محمد الخليفة الكنتي

كان الرحالة الجغرافي الألماني «  »هنريش بارث » » ثالث أوروبي يصل إلى مدينة تمبكتو سنة 1853، فقد سبقه إليها الرحالة الإنجليزي « غوردون لاينغ » (Laing) الذي اغتيل في ظروف غامضة قرب تنبكتو في 30 سبتمبر 1826، وسبقه كذلك الرحالة الفرنسي رينيه كاييه (« ولد كيجه النصراني » كما يقول الموريتانيون) الذي حل بتبكتو في 20 إبريل 1828 بعد أن مر بموريتانيا وأقام أشهرا بمنطقة البراكنة.

لقي « هنريش بارث »، أو عبد الكريم كما كان يسمي نفسه تخفيا وتخوفا، حفاوة وضيافة من الشيخ سيدي أحمد البكاي بن الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي. وكانت رحلة « هنريش بارث » بتمويل بريطاني وبرعاية مباشرة من صاحبة الجلالة أليزابيت الأولى. وقد تحدث « بارث » باستفاضة عن حفاوة الشيخ الكنتي وضيافته في كتابه « رحلات ومشاهدات في شمال ووسط إفريقيا »

(Travels and Discoveries in North and Central Africa).

وكان « بارث » أقام زمنا طويلا في الحضرة الكنتية مع الشيخ سيدي أحمد البكاي، وقد أعلن الأمير الفلاني أحمدُو بن أحمد لبو، أمير ماسنة، هدر دم الرحالة الألماني فبعث رسالة إلى الشيخ سيدي أحمد البكاي يطالبه فيها بتصفيد « بارث » بالأغلال وإرساله إلى حمدالله عاصمة إمارة ماسنة، وفي تلك الرسالة حديث عن الحكم الفقهي في التعامل مع الذمي، وفيها كذلك نوع من التهديد للشيخ سيدي أحمد البكاي الذي آوى هذا النصراني الكافر. لكنه يبدو أن الشيخ الكنتي أفقه من أن تقنعه آراء ابن أحمد لبو الفلاني، وأقوى من أن تخيفه تهديداته. فرد الشيخ البكاي مخاطبا أمير ماسنة ومتحدثا عن « بارث »: « إنه جاء إلى تنبكتو –كما قلتَ- بغير استئذان ولا إذن وذلك لا يبيح لك ماله ولا سجنه، فإني أنكر عليك أمرك بسجنه وطلبك لماله؛ فإنه حرام عليك وظلم له، فإنه إنما وصل في عهد المسلمين. فإن جميع قبائل النصارى في العهد والصلح إلا الموسكو. بلغني هذا العام أنهم حاربو السلطان عبد المجيد. وعلى كل فإنك لست بإمام المسلمين، إنما إمام المسلمين مولاي عبد الرحمن أو السلطان عبد المجيد، فمولاي عبد الرحمن هو أهلها بالشريعة، والسلطان عبد المجيد هو الأكبر والأكثر في الملك. وإنما أنت أمير من حمدالله إلى تنبكتو: مسيرة خمسة أيام في الأخصاص، في منتهى أرض السودان في المغرب. وإمام المسلمين في المسلمين في أرضهم لا يجوز لك أن تنقض أو تنقص عهده وصلحه مع النصارى وقد صالحهم وعاهدهم كل من السلطانين. » انتهى الاستشهاد.

وهذا النص من رسالة للشيخ سيدي أحمد البكاي وهي عندي بنصها المخطوط الواقع في ثماني عشرة صفحة فيها الكثير من التاريخ والعلم و »التكنتي »…

وكتاب « رحلات ومشاهدات في شمال ووسط إفريقيا » لهنريش « بارث » يقع في خمس مجلدات في لغتين: الإنجليزية والألمانية، وترجمت أجزاؤه الأربعة الأولى إلى الفرنسية. والطريف أن جزأه الخامس، الذي ما زال بلغتيه الأصليتين ولم يترجم للفرنسية بعدُ، فيه الكثير من تاريخ موريتانيا وأخبار قبائلها وساكنتها وتفاصيل حياتهم. فقد كان الرحالة هنريش « بارث » حريصا على تدوين كل ما يسمع من معلومات بدقة متناهية وضبط دقيق واجتهاد أكاديمي. وقد أعانه فيما جمعه من أخبارٍ عن موريتانيا وساكنتها في المجلد الخامس من كتابه أن حضرة أهل الشيخ سيدي المختار الكتني في منطقة أزواد كان فيها جميع الموريتانيين من جميع الجهات ومن جميع الأجناس، فكأن الحضرة الكنتية عبارة عن موريتانيا مصغرة فيها أهل الساحل وأهل الحجرة من تكانت وآدرار وأهل العصابة وأهل الكبلة وأهل آفطوط واهل الحوض وأهل تيرس وغير ذلك من المناطق الموريتانية التي كان أبناؤها يفدون إلى الحضرة الكنتية بأزواد ينهلون من علم الشيخ سيدي المختار وأبنائه ويتصدرون عليهم في الطريقة الصوفية القادرية.

وبعد رجوع هنريش « بارث » للندن بعثت الملكة أليزابيت الأولى هدايا ثمينة للشيخ سيدي أحمد البكاي ورسالة شكر ربما تكون هي أولى مظاهر العلاقة الدبلوماسية لبلادنا ببريطانيا. توفي الشيخ سيدي أحمد البكاي في فبراير 1866م ولم تكن دبلوماسيته مقصورة على التاج البريطاني بل هي كانت متعددة الأبعاد: فله مراسلات مع سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام العلوي ومع ابنه محمد بن عبد الرحمن، وله مراسلات مع السلطان العثماني عبد المجيد.

الرسم الثاني: بابه بن اعلي بن أعمر التروزي

في كتابه ملامح سنغالية (Esquisses sénégalaises) نشر القس « بوالا » (L’abbé Boilat) رسوما متعددة في ثنايا بحثه التاريخي عرَّف أحدها بأنه رسم للزعيم التروزي بابه بن اعلي بن أعمر بن الشرقي بن اعلي شنظورة.

يبدو أن الخلاسي « داود بوالا » المولود بمدينة سان لويس (اندر) 1814، والذي كان أول مسيحي خلاسي يصل إلى رتبة القس في السنغال، كان على اتصال بالموريتانيين في هذه المدينة الشديدة الارتباط في القرن التاسع عشر بإمارة الترارزة.

وربما يكون « بوالا » قد تعرف على بابه بن اعلي بن أعمر حين كان في أوج الصراع مع ابن عمه أعمر بن المختار… وكان الفرنسيون يعادون أعمر بن المختار ويؤيدون كل الأحلاف التروزية التي نافسته سواء تعلق الأمر بالحلف الذي قاده بابه بن اعلي بن أعمر هذا، أو ذلك الذي قاده امحمد بن اعلي الكوري المطالب بعرش أبيه اعلي الكوري بن أعمربن اعلي شنظورة وعمه المختار، أو الحلف الذي تزعمه عمير بن المختار بن الشرقي بعد مصرع ابنه محمد فال بن عمير أول مغدور من أولاد أحمد بن دمان في تاريخ إمارة الترارزة وذلك سنة 1822 حين قتله إبراهيم والد بن أعمر بن المختار بميناء الجريدة قرب نواكشوط.

كان بابه بن اعلي بن أعمر سيدا جليل القدر في الترارزة، وكريما تكثر العفاة عنده حتى لا ينام ليلا ولا نهارا. فهو من أهل اعلي شنظور وفي بيتهم الإمارة وأمه بنت صمبه فال رئيس أهل عبلة. وكان بابه، قبل وفاته، مستعدا لحرب الأمير أعمر بن المختار ويشايعه أخواله أهل عبلة وأولاد دمان مشكلين حلفا قويا، وقد عينوه زعيما بعد مصرع أبنا بن اعلي حسان العتامي 1817، لكنَّ الموت عاجلت بابه عند لطيون جنوب الركيز وهو يصبو إلى أن يكون أمير الترارزة، فرأست جماعته من بعده امحمد بن اعلي الكوري. وقال النابغة الغلاوي في نظمه في العبر المعروف بأم الطريد ينعى صاحب الترجمة هذا:

وهُدَّت الأرض لموت بابا ** وفتحتْ لكل ظلم بابَا

وقد تزوج بابه المترجم له ببنت احميدها وله منها ابن لم يعقب وقد قتل قبله في الحرب بين طائفته وطائفة الأمير أعمر بن المختار.

الرسم الثالث: القاضي ابنو بن سيدنا الديماني

عاش ابنو بن المصطفى بن سيدنا الديماني بين الترارزة وآدرار، فمولده بإكيدي بالترازة ومدفنه بالنيجان بآدرار. تحدث عنه المستكشف الفرنسي الرائد فينسان (Capitaine Vincent) في رحلته التي قادته نحو أطار سنة 1860. كما ذكره الفرنسي الآخر أرنيست دو بسيكاري (Ernest Psichari) في كتابه (Les voix qui crient dans le désert) عندما مر بالنيجان سنة 1909. ويبدو أن جدَّنا القاضي أبنو، الذي كان مقربا من أمير آدرار أحمد بن عيده، ومن أبنائه وأحفاده من بعده، كما تدل على ذلك الكثير من الوثائق والمراسلات الموجودة بخطه في مكتبتي الخاصة. وقد توسط القاضي ابنو لدى الأمير ابن عيده، وساعده في تلك الوساطة ابن الأمير امحمد (والد الأمير العادل أحمد بن امحمد) حتى لا يهدر دم الرحالة فينسان، وقد نوه فينسان بتلك الوساطة في رحلته واعتبر أنه لولاها لتعرض لأخطار جسيمة. وربما كان هذا التدخل من طرف ابنو لصالح فينسان سببا في أن ينجز له رسما (بورتريه)، وأن يحرص على نشره مع الرحلة ضمن الرسوم التي نشرها هناك. وقد جاء ذلك في نص الرحلة وهي بعنوان: رحلة إلى آدرار وعودة إلى سان لويس 1860. قال هارون بن الشيخ سيديا في كتابه الأخبار عند ذكر أبنو بن سيدنا ما لفظه: « والمصطفى وهو والد أبنو قاضي أحمد ولد عيده ». وقد عاد أبنو إلى الترارزة بعد وفاة الأمير أحمد بن عيدة نهاية سنة 1860، وتم تعيينه بعد ذلك بزمن قاضيا لإمارة الترارزة وذلك في عهد اعلي بن محمد الحبيب الذي قضى في الإمارة ثلاث عشرة سنة وما يناهز خمسة أشهر. حيث تولى الإمارة في 20 مايو 1873م بعد ما قتل أخاه الأمير أحمد سالم بن محمد الحبيب في وقعة أيشاية إلى أن قتل أميرا في 15 أكتوبر 1886م عند احسي الغنم من أبيار تاگنانت. وخلال هذه المدة ظل أبنو قاضيا للأمير اعلي وأغلب مراسلات اعلي كانت بخط ابنو وعندي منها الكثير. وبعد مقتل اعلي رحمه الله تعالى عاد أبنو إلى آدرار وكانت صلاته وثيقة بالأميرين أحمد بن امحمد وقد أدرك ابنو بعد رجوعه الثاني إلى آدرار سنتين من إمارة أحمد بن امحمد الذي قتل سن 1888، كما بقي بآدرر طيلة العقد الزمني الذي هو مدة إمارة ابن عمه أحمد سيدي أحمد، وتدل الوثائق التي عندي أن هذين الأميرين قرباه منهما، وكان صديقا خاصا للزعيم الغيلاني إبراهيم بن مگية وزير أحمد بن امحمد الي قتل معه سنة 1891. وكان ابنو حاضرا سقوط الدار بأطار على الأمير أحمد بن سيدي أحمد سنة 1898 وقد توفي ابنو رحمه الله تعالى بعد ذلك بأشهر ودفن بالنيجان بآدرار.

الرسم الرابع: الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل

أمضى كاميل دول (Camille DOULS) خمسة أشهر مع أولاد ادليم رهينة سنة 1886. لم يكن أولاد دليم مصدقين للرحالة « دول »، وقد نزل من قارب صيد على الشواطئ الأطلسية قرب نواذيبو، حين ادعى أنه مسلم جزائري يدعى عبد الملك. تعرض « دول » للكثير من الإكراهات البدنية والمعنوية وظل مصرا على أنه جزائري مسلم في حين كان مضيفون متأكدين أنه يخدعهم وأنه أوروبي يتظاهر بالإسلام ويدعي الانتماء إلى الجزائر. ولم يكد « دول » يخرج من محنته إلا بعد وصوله حضرة الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل الشيخ الجليل والعالم المؤلف والمجاهد الذائع الصيت. يصف الرحالة « دول » حضرة الشيخ ماء العينين وصفا دقيقا ويصف هيبة الشيخ وكثرة تلامذته وتنوعهم وكيف يعاملون شيخهم. ويبدو أن الشيخ رق لحالة الرحالة المسكين وهو مصفد في سلاسله الحديدية فطالب من أولاد ادليم فك أسره رحمة به وتصديقا لادعائه الإسلام خصوصا وأنه تشهد أمام الشيخ وحفظ الفاتحة. وقد كان الشيخ ماء العينين ملجأ الخائفين ومورد الجائعين ومرشد المخطئين ورحمة الضعفاء والمساكين.

وقد ترك « دول » رسما صور فيه الشيخ ماء العينين بحضرته عند مدخل بيته ومعه العديد من تلامذته كما يوضح البورتريه. ورحلة « دول » نص مهم وعنوانها: خمسة أشهر بين البدو البيضان في الصحراء الغربية، وهي منشورة سنة 1887 نشرتها مجلة « حول العالم » الفرنسية (Le Tour du Monde).

توضح هذا الرسوم، وهي جزء هام من تاريخنا المادي الملموس، جانبا من الاهتمام الأوروبي بموريتانيا قبيل الاستعمار. فهي نصوص داخلة في تلك المعارف والتقاليد الثقافية التي طورها الرحالة والجغرافيون والتجار الأوروبيون حين جاؤوا لهذه البلاد متخفين تحت أسماء عربية ومتظاهرين بالإسلام، وهم في حقيقة الأمر جواسيس ومخبرون. ومع إدراكنا أن دوافع هؤلاء الرحالة كانت لغايات استخبارية، وكانت تمهد للاستعمار، وتجمع المعلومات عن هذه البلاد لفهمها والاستيلاء عليها؛ إلا أن ذلك لا يمنعنا من التعاطي مع نصوصهم ودراستها والاستفادة منها في كتابة تاريخنا.

باحث موريتاني مقيم بقطر

Publicité

Mauritel

Speak Your Mind