عمرو موسى: التوريث السوري فتح شهية مبارك (ح 1)


تحدث عمرو موسى الوزير والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ومرشح الرئاسيات المصرية الأخيرة في مقابلة صريحة من حلقات أجرتها معه جريدة الحياة اللندنية عن مياه كثيرة كانت تجري تحت جسور الزعامات العربية في مرحلة ما قبل الربيع العربي وأثناء الثورات وآثار ذلك على مجريات الشأن العربي.

ولأهمية ما تضمنته هذه المقابلة من معلومات ذات صلة بالأحداث الجديدة نعيد نشرها على حلقات:

حاوره غسان شربل  / يقسم عمرو موسى عهد الرئيس السابق حسني مبارك إلى ثلاث مراحل كانت الأخيرة أخطرها بسبب سيره في مشروع التوريث الذي كان تردد في قبوله بعد السابقة السورية. ويؤكد موسى أن قيادة المؤسسة العسكرية لم تكن تؤيد التوريث. ويروي موسى أنه حذر من انتقال «الربيع العربي» إلى مصر بعد اندلاعه في تونس لكن مبارك سارع إلى الرد بأن مصر ليست تونس. وهنا نص الحلقة الثانية:

حضرت لقاءات جمعت حسني مبارك ومعمر القذافي، كيف تصف علاقتهما؟
– من الناحية الإنسانية كان هناك نوع من التوافق، العقيد كان يرى أن مبارك يختلف عن أنور السادات الذي كان عنيفاً في علاقاته مع القذافي، وعن جمال عبدالناصر الذي كان القذافي يعتبره والده السياسي ويعتبر نفسه خليفته. رأى أنه يستطيع التفاهم مع مبارك، كان القذافي يعتبر أن حجم مبارك مختلف عن أسلافه، وتوجهه مختلف، وليست لديه أطماع زعامة كما ليس لديه طموح، ولم يكن مبارك يدَّعي أنه زعيم الأمة العربية كما كان القذافي يقول عن نفسه. القذافي كان يعتبر مبارك رئيساً يمكن التعايش معه. وكان القذافي يرى أن خليفة جمال عبدالناصر في زعامة الأمة ليس حسني مبارك وإنما معمر القذافي، ومن هنا كان منطلق تعامل القذافي مع مبارك، فقد كان القذافي يعتبر مبارك موافقاً على دوره في زعامة الأمة خلفاً لعبدالناصر. الحقيقة أن مبارك كان «مكبر دماغه» كما نقول في مصر ولا يعير كلام القذافي وتطلعاته اهتماماً كبيراً وإنما كان هدفه أن «يكف شره» ويحقق بعض الفوائد الاقتصادية على مستوى الدولة وإن كان دائماً يقول إن «القذافي بخيل».
ألم يكن مبارك يعتبر نفسه زعيماً للعالم العربي؟
– لا، ولم يكن يهتم بذلك ولا يدّعي ذلك وربما لم يكن يريد ذلك.
هل لك أن تصف لنا شخصية حسني مبارك.
– ما قلته الآن كان مفتاح شخصيته السياسية. من خلال تولي منصب وزير الخارجية لمدة عشر سنوات، تزامنت مع منتصف فترة عهد مبارك، أستطيع أن أقول إن فترة حكم مبارك مرَّت بثلاث مراحل:
الأولى كانت خلال السنوات العشر الأولى من حكمه (الثمانينات)عندما كان لا يزال يتحسس طريقه، والبلد يتفتح أمامه وأمور كثيرة تحصل، وهو كان متواضعاً في طموحاته. وأعلن مبارك صراحة «أنا لست أنور السادات ولست جمال عبدالناصر، أنا شخص مختلف. البلد كانت حينها مجروحة ومتوترة ومفلسة وحاول مبارك التهدئة تماشياً مع توجه المزاج المصري نحو التهدئة، ومرت تلك الفترة الأولى بسلام.
المرحلة الثانية خلال السنوات العشر التالية (التسعينات) من حكمه كانت سنوات خطرة للغاية عالمياً إذ انتهت خلالها الحرب الباردة وتسيَّدت الولايات المتحدة الأميركية وأصبح هناك نظام عالمي جديد وسياسة دولية إزاء القضية الفلسطينية، وجرى غزو الكويت وتحريرها مع دور سياسي وعسكري مهم لمصر وتحديات كبيرة جداً ومطلوب فيها دور لمصر. وفي تلك الفترة بدأ بعض الإصلاحات الاقتصادية وكان لمصر عدد من المواقف السياسية الكبيرة إزاء الملف النووي في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والسلام والمفاوضات ومناورات سياسية حديثة في إطار البحر الأبيض والتعاون الأوروبي ونشاط في أفريقيا افتصادي وسياسي.
وكانت المرحلة الثالثة السنوات العشر الأخيرة (السنوات العشر الأولى من القرن الحالي) كانت كارثية لأسباب ثلاثة:
أولاً، لأن مبارك بدأ خلالها يتقدم في السن ويفقد الاهتمام اليومي بإدارة البلاد.
وثانياً، لأنه بدأ يُؤثِر السلامة في أي قرار بحيث لا يؤدي إلى أي ارتباك أو رد فعل معاكس أو اضطراب، وبدأ الابتعاد عن اتخاذ أية قرارات تحتاج إلى جهد ومتابعة ومبادرات.
وثالثاً، لأن الحديث في موضوع التوريث بدأ.
كنا نشعر بأن مصر في السنوات العشر الأخيرة لعهد مبارك كانت تتراجع خطوة خطوة وأن الرئيس مرتاح إلى هذا إن لم يكن هذا هو قراره فعلاً بأنه لا يريد التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولا حتى في كل كبيرة لاحقاً، وكان يتَّبِع سياسة تهدئة الناس فيقوم بزيارات روتينية مختلفة إلى دول الخليج وسورية وليبيا، على عكس ما كان يحصل في التسعينات عندما كانت مصر دولة تُتخذ فيها قرارات مهمة وتُعلن مواقف جديدة.
هل يمكنك إعطاء مثل عن دور له في التسعينات؟
– كمثال على دوره الرئاسي في التسعينات أحكي القصة الآتية: كنا في مؤتمر قمة الدار البيضاء لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكان الأول الذي يُعقد بعد اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل. عُقد المؤتمر في ضيافة الملك الحسن الثاني وبرئاسته، رحمه الله، وتمثلت فيه جميع الدول العربية وإسرائيل والدول الأوروبية. حصلت حادثتان: الأولى أن شمعون بيريز كان يسعى إلى عقد اجتماع لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة للتوافق على نظام أمني جديد في الشرق الأوسط. وبالفعل وصلت أنا يوم 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1994 بُعيد الثامنة مساء وتوجهت إلى فندق المنصور وإذ بشمعون بيريز يتصل بي هاتفياً لأمر عاجل كما قال مكتبه لمكتبي ويرحب بي ويهنئني بالسلامة فاستفسرت عن الأمر العاجل.
قال إنه فقط أراد إبلاغي بأننا اتفقنا على أن نجتمع غداً لنبحث في موضوع الأمن، في المنطقة فسألته مَنْ اتفق مع من على الاجتماع وما هو الموضوع الأمني المطروح بالضبط ومَنْ اتخذ القرار؟ بيريز، الذي كان ينزل في فندق آخر، قال إن إسرائيل ومصر والدول التي أشرت إليها ستجتمع. فسألته هل مصر وافقت على مثل هذا الاجتماع؟ قال لهذا السبب أنا أتصل بك الآن لإجراء الترتيبات. وسألته ما الهدف؟ فقال الأمن. قلت له إنني أجده أمراً خطراً جداً أن أبلَّغ عن اجتماع يُعقد غداً في موضوع مهم مثل الأمن الإقليمي قبل أن نتشاور بخصوصه على الأقل في مصر، وبالتالي أنا غير موافق عليه. وأضفت أريد أن أبلغك وأكرر أنني أنا كوزير للخارجية غير موافق على هذا الكلام إنما بالنظر إلى خطورة الموقف وخطورة الاقتراح الذي تتحدث عنه فأنا سأكلم الرئيس (الذي كان في القاهرة ولم يشارك في القمة).
اتصلت على الفور بالرئيس مبارك ونقلت له ما دار بيني وبين بيريز بالتفصيل وكيف كان ردي عليه، وأنني سألته مَنْ قرر هذا الاجتماع ومَنْ قرر أنه يمكن مناقشة قضية الأمن في هذا الشكل ثم أضفت أن سورية غير ممثلة في الاجتماع فكيف نبحث في الأمن وبلد رئيسي مثل سورية غير موجود. فكر الرئيس في حديثي لأقل من دقيقة لا أكثر ثم قال لي معك حق أنا موافق على طرحك، وطلب مني التصرّف على هذا الأساس.
الواقع أنه بعد حديث بيريز الهاتفي شككت في أن يكون الأمر أثير في القاهرة وأن القاهرة لم تعترض باعتبار أن بيريز كان يتحدث معي وكأنه أمر تم إبرامه فعلاً، ومن ثم حرصت على أن أذكر للرئيس كلام بيريز واعتراضي في الوقت نفسه.
ماذا فعلت؟
– خلدتُ إلى النوم واتصل بي بيريز حوالى السابعة صباحاً، قلت له من الجيد أنك اتصلت فأنا أبلغتك أمس عدم موافقتي كوزير للخارجية على الكلام الذي قلته واليوم أبلغك عدم موافقة رئيس الجمهورية على هذا الكلام وبالتالي لن نحضر. قال لي بالأمس سألتني من هو صاحب المبادرة؟ الحقيقة أنها كانت فكرة دولة عربية، سأحجِمُ عن ذكرها ثم راح يتحدث بدهائه المعروف بما يشير إلى أن هذه الدولة العربية هي الأردن. طلبت مقابلة رئيس الوفد الأردني وكان الأمير الحسن ولي العهد وسألته ما الموضوع وسورية غير موجودة؟ قال لي هذه ليست فكرتنا بل فكرة ملك المغرب. قلت له في جميع الأحوال مصر لن تشارك وفي حال عُقد الاجتماع فأنا لدي تعليمات أن أتوجه من هنا إلى دمشق. لم أناقش هذه الفكرة مع الرئيس ولكنني أطلقتها لأشير إلى احتمالات تكتل مضاد لمساعي بيريز، وكنت أنوي بالفعل عرضها على الرئيس إذا عقد الاجتماع، وكان لهذا رنة قوية جداً لدى المسؤول الأردني الكبير. ولدى خروجي من عنده كان وارن كريستوفر (وزير الخارجية الأميركي) وبيريز يدخلان عليه سوياً فسألاني: هل من جديد؟ قلت لهما أنا أبلغت بيريز بالجديد في السابعة من صباح اليوم وليس لدي جديد وتركتهما.
بعد ذلك عُقد مؤتمر دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووقف رابين وقال: القدس قدسنا، وأنا رددت عليه: لا القدس قدسنا نحن، وانقسم المؤتمر الضخم فوراً نصف مؤيد لإسرائيل ونصف مؤيد للعرب وفشل المؤتمر. في غضون ذلك قابلت معظم وزراء الخارجية ورؤساء الوفود الموجودين وقابلت أيضاً إسحق رابين، واستفسرت منه عن قضية الأمن الإقليمي. فسألني أي أمن؟ فقلت له الأمن الذي يتحدث عنه بيريز، فقلَّل رابين من أهمية الموضوع، وبحركة يد تُقلل من أهمية بيريز نفسه. تكلمت بعدها مع تانسو تشيلر رئيسة وزراء تركيا بعدما تحدثت مع وزير الخارجية التركي آنذاك وكان متفهماً للبعد العربي بالنسبة لتركيا فقلت له العبارة الآتية: تركيا عادت لتوها إلى العالم العربي في الشرق الأوسط، وتريدون الخروج في اليوم التالي. تقبلون دعوة إسرائيل لمناقشة الأمن في المنطقة من دون التشاور معنا وأنا علمت بهذا الموضوع أمس من بيريز عند وصولي إلى الدار البيضاء وبطريقة الإخطار أو الإبلاغ. فقال لي معك حق فلنكلم رئيسة الوزراء وكانت تقف بالقرب منا، فقالت لي لقد سمعنا بغضبك، لا نحن لن نشارك في مثل هذا الاجتماع. وتوجهت إلى ممثل تونس وغيره وقلت إننا لن نشارك في هذا الاجتماع وإذا عقد الاجتماع فسأعلن معارضتنا لهذا الموضوع في مؤتمر صحافي هنا وأتوجه فوراً إلى دمشق. أنا توَّلد لدي شعور من كل هذا بأن موضوع الأمن وراءه ترتيبات وخطط غامضة، وقد أفشلته مصر حينها، ويمكنني القول إن المواجهة الصريحة بيني كوزير لخارجية مصر وبين السياسات الإسرائيلية بدأت في الدار البيضاء ولم تتوقف مذّاك. وبالفعل وقفت في وجه رئيس وزراء إسرائيل في الدار البيضاء وقلت له إن كلامه عن القدس لا يسري علينا ولا يهمنا فالقدس عربية. فعندما قال رابين إن إسرائيل بَنَتْ القدس ضجَّ نصف القاعة بالمصفقين المؤيدين لإسرائيل، وعندما قلت القدس عربية وكلام رابين غير مقبول وغير صحيح تاريخياً قام المشاركون العرب بالتصفيق الحاد وانقسم المؤتمر. قلقتُ وأنا عندي هاجس أن هذا سيتكرر لأنني أعرف كيف تتصرف إسرائيل كدولة فهي فشلت في ذلك المؤتمر لكنها ستكرر المحاولة.
ماذا كان موقف الرئيس مبارك؟
– بعد عودتي قابلت الرئيس مبارك وقلت له إننا أفشلنا هذا الموضوع ولكن، لا بد من أن نأخذ حذرنا لأنه وفق معرفتي بهم وخبرتي في التعامل معهم سيحاولون مجدداً خصوصاً أنها مصلحة إسرائيلية. فقال لي وما العمل؟ قلت له أقترح التنسيق مع المملكة العربية السعودية وسورية وربما عقد اجتماع ثلاثي نرد به على الديبلوماسية الإسرائيلية النشطة. فقال وهو كذلك. فقلت أزور الدولتين لنعرف إن كان هناك إمكانية اجتماع ينسَّق معهما ونطّلع على موقفهما فوافق وقال «روح اشرح الموضوع للملك فهد وشوف هيقول إيه وبعدين اتكلم مع الرئيس حافظ (الأسد)».
توجهت إلى السعودية وقابلت الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، في وقت متأخر ليلاً وكان معي شخص واحد فقط هو مستشاري السياسي السفير نبيل فهمي (أصبح لاحقاً سفير مصر في واشنطن) وقلت له يا جلالة الملك حصل كذا وكذا في الدار البيضاء، (السعودية شاركت في المؤتمر لكن تمثيلها لم يكن على مستوى عالٍ) وأنا سمعت بيريز يتكلم قائلاً إنه انتهى عصر أن يكون الشرق الأوسط منطقة عربية ما يعني أن هناك هجمة على العالم العربي وعلى عروبة المنطقة وأنتم سدنتها، والأمر يقتضي أن نعقد اجتماعاً ثلاثياً سعودياً – مصرياً – سورياً وإن هذا هو جوهر الرسالة التي يرسلها إليكم الرئيس مبارك والتي سأبلغها للرئيس الأسد في ضوء موقف جلالتك. فكر الملك قليلاً ثم قال أنا موافق على عقد المؤتمر الثلاثي ولا بد أن يُعقد في مصر فمصر أختنا الكبيرة، وكرر كلامه هذا ثلاث مرات تقريباً بالحرف. وبعد فترة قال الملك الاجتماع في مصر لكن ليس بالضرورة في القاهرة حيث الزخم الإعلامي ونحن نريد أن نتحدث سوياً (بحرية أكبر). فقلت للملك إنني جئت ولدي تعليمات أن أقترح أن يكون الاجتماع هنا في السعودية فقال يجب أن يكون في مصر. وقلت للملك إنني سأتوجه إلى دمشق ثم القاهرة وأعود إلى جلالتك. استمر لقاؤنا نحو ثلاث ساعات وعند مغادرتي كان في يد الملك فهد سبحة قال لي تفضل هذه السبحة سبِّح بها، فأخذتها وشكرته ومشيت. حضر الاجتماع الأمير سعود الفيصل والمستشار السياسي للملك عبدالعزيز التويجري.
توجهت إلى دمشق والتقيت الرئيس الأسد الذي ظل يكرر عليّ سؤاله: الملك فهد قال لك إنه مستعد لاجتماع ثلاثي؟ قلت له نعم. فسأل مرة أخرى أنت تحدثت مع الملك فهد شخصياً، قلت له نعم. قال هو مستعد لعقد اجتماع بين مصر والسعودية وسورية، قلت له نعم. قال وهل سنتفق على ميعاد أو أن هذا مجرد كلام، قلت له لا طبعاً سنتفق على ميعاد وأنا حضرت لأسمع من سيادتك أنك ستشارك في هذا الاجتماع. عاد وقال لي السعودية قالت لك ذلك، قلت له نعم يا سيادة الرئيس وبصفتي وزير الخارجية المصرية أبلغ سيادتك كرئيس جمهورية سورية رسمياً بأن مصر طرحت فكرة عقد اجتماع قمة ثلاثية وأن المملكة العربية السعودية وافقت عليه. كان الرئيس حافظ الأسد مندهشاً ومسروراً بما أبلغته به. قال لي أنا موافق، متى يُعقد الاجتماع؟ قلت أنا بصدد الحصول على موافقتك المبدئية الآن لترتيب المواعيد، والمكان سيكون في مصر وربما في مدينة الإسكندرية، فرحب بالفكرة. شكرته وقلت له أستطيع أن أبلغ الرئيس مبارك والملك فهد بموافقتكم، قال نعم. وأنا متأكد أن السوريين تواصلوا مع السعودية فوراً ليتأكدوا من الموضوع. العلاقات بين الثلاثي المصري – السعودي – السوري كان يشوبها بعض التوتر. عدت إلى مصر، وكان ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) 1994، لترتيب زمان الاجتماع ومكانه واقترحت أن نعتمد الإسكندرية مكاناً للقمة.
عُقد مؤتمر إسلامي في كانون الأول (ديسمبر) 1994 في الدار البيضاء أي بعد أقل من شهرين منذ قمة الشرق الأوسط في تلك المدينة نفسها وكانت اتصالاتي مستمرة مع الأمير سعود الفيصل (وزير الخارجية السعودي) وفاروق الشرع (وزير الخارجية السوري) واتفقنا على تحديد موعد القمة الثلاثية خلال لقائنا في المغرب. في الدار البيضاء دعاني الأمير سعود الفيصل إلى العشاء مع الوزير الشرع وجلسنا في قاعة صغيرة وبجوارنا جهاز تلفزيون صوته مرتفع إلى أعلى درجاته ومن الجهة الأخرى جهاز راديو صوته على أعلى درجاته كي لا يسمع أحد حديثنا، وكنا نجد صعوبة حتى نحن الثلاثة في سماع بعضنا واتفقنا أن تكون القمة في الأسبوع الأخير من كانون الأول في الإسكندرية، واستمعتنا بالعشاء وغادرنا. والطريف أننا استخدمنا لغة الإشارة في بعض فقرات الحديث بيننا، وبالنسبة ليوم الاجتماع خرجنا إلى الشرفة واتفقنا على يوم الاجتماع (26 كانون الأول على ما أذكر).
عدت لإعداد الترتيبات اللازمة وكانت صحة الملك فهد بدأت تضعف في شكل واضح وربما كانت تلك آخر رحلة رسمية خارجية له قبل رحلة الاستشفاء الأخيرة. الأمر الذي أبهرني أن السفارات الغربية في المملكة العربية السعودية علمت أن الطائرة الملكية تُعد ولكنها لم تعرف وجهتها. وهذا يُظهر أن العرب عندما يجد الجد فإنهم يتعاملون بجدية كبيرة جداً إذ لم تذكر المملكة العربية السعودية على لسان أي من مسؤوليها أي شيء عن الاتفاق الذي تم بيننا بهذا الخصوص، لا السعوديون ولا المصريون ولا السوريون وأبقيناها مسألة عربية بحتة لم يعلم بها أحد حتى فوجئوا جميعاً بالحدث الكبير.
وسمعت لاحقاً أن الغربيين اكتشفوا بعد ذلك أن الملك توجه إلى مصر ولكن السفارات في السعودية لم تكن على علم مسبق بأن الملك سيتوجه إلى مصر ولا ماذا سيجري. وعقد الاجتماع واتفقنا خلاله على خطوط رئيسة لما يتعلق بالعمل في فلسطين والمؤتمرات الخاصة بالشرق الأوسط والقدس والتنسيق العربي قبل أي شيء وسادت الاجتماع روح طيبة. وهذا كان أحد الأحداث المهمة التي حصلت عام 1994.
بالعودة إلى عهد مبارك، برأيك موضوع التوريث كان مطروحاً في شكل جدي؟
– نعم، بالطبع كان جدياً خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، وكانت السنوات الخمس الأخيرة مكرسة لخطة التوريث وكانت هناك حال رفض مصرية عارمة وواضحة لهذا الموضوع، ليس بالضرورة طعناً بشخص ما، سواء جمال مبارك أو غيره، لكن لماذا وبأي حق يكون هناك توريث لرئاسة الدولة.
هل تعتقد أن التوريث السوري فتح شهية مبارك؟
– من دون شك. في مصر خصوصاً وفي العالم العربي عموماً التوريث قائم في المهن، فالطبيب يريد أن يصبح ابنه طبيباً ليأخذ شهرته وعيادته، وكذلك المهندس والقاضي، وهذا موجود في شكل خاص في المجتمع المصري وهو جزء من حياة المجتمع. إنما إذا كان هذا مقبولاً في المهن وعلى مضض فالمواطن يستطيع أن يختار الطبيب الذي سيزوره ولكن أن يُفرض على المواطن رئيس لأنه ابن رئيس تلك المسألة كانت غير مقبولة ولم نعلم بها أو ندرسها أو نعايشها في الجمهوريات إلا في المثال السوري وفى جمهوريات بعيدة. وكان حسني مبارك دائماً يقول إن سورية غير مصر وإن التوريث ينجح في سورية لكنه لا ينجح في مصر، وأنا شخصياً سمعت ذلك منه مرات عدة خلال عملي وزيراً للخارجية وإثر استلام بشّار الأسد الحكم عام 2000 دارت بيننا أحاديث عن الرئيس السوري الجديد وفي لقاء عمل منفرد مع الرئيس في أواخر عام 2000 تطرق الحديث إلى رئاسة بشار وقال تولى بشار الحكم بإخراج متقن فعلقت بأن هناك شعوراً باحتمال تعرضه لصعوبات وربما لأخطار شخصية فاستوقف كلامي الرئيس. لكن، يبدو أن طرح التوريث تطور في السنوات الأخيرة إلى أن أصبح سياسة رئيسة، الأمر الذي هزّ الرئاسة ليس فقط بسبب امتعاض المواطنين من هذا الطرح لكن، أيضاً لأن كثيرين من المقربين من دوائر الحكم كانوا أيضاً معارضين. اللواء عمر سليمان مثلاً لم يكن مقتنعاً أبداً بفكرة التوريث ودار حديث بيننا حول هذا الأمر وأستطيع القول إن صفوت الشريف لم يكن مقتنعاً أيضاً. والحق أن المصريين لم يكونوا راضين عن هذا، ومن سوء حظ «الوريث» أنه عندما جاء بأشخاص آخرين من الشباب الذين تلقوا تعليماً جيداً لم يتمكنوا من إدارة الأمور بحكمة فلم يهتموا بالفقراء الذين يربو عددهم على نصف المصريين مع الأسف الشديد وذلك أعطى الجميع رسالة أنه سواء كان الحرس القديم مع الرئيس أو الحرس الجديد مع الابن فإن الأمور تسير نحو الخراب. وكانت هناك معارضة واسعة وعدم اقتناع بالتوريث. التوريث كان أحد الأسباب الرئيسة أو كما نقول «القشة التي قصمت ظهر البعير».
هل كانت المؤسسة العسكرية وقادتها مع التوريث؟
– كلا، الجميع كان ضد التوريث، وقطعاً المشير حسين طنطاوي لم يكن مع التوريث أبداً ولم يكن يتحدث عن التوريث أو الوريث إلا ساخراً. التوريث لم يحصل على تأييد فعلي ما عدا من بعض رجال الأعمال من الجيل الجديد وبعض رجالات الإدارة والبيروقراطية ومَنْ لهم مصالح.
هل كنت تلتقي مع الرئيس مبارك في آخر أيام عهده؟ متى آخر مرة التقيت به؟
– آخر لقاءين جمعاني به كانا في قمة سرت في تشرين الأول 2010 ثم في قمة التنمية الاقتصادية العربية الثانية التي عقدت في شرم الشيخ يوم 19 كانون الثاني (يناير) 2011 وفي القمتين اختلفنا علناً وفي جلسات مسجلة. الأولى عندما اقترحت إقامة رابطة الحوار العربي فاعترض الرئيس المصري والثانية حيث ألقيت خطاباً بصفتي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية توقعت فيه ثورة في مصر بعدما كانت الثورة بدأت في تونس. عند دخولنا إلى قاعة القمة مع رؤساء الوفود صباح يوم 19 كانون الثاني استوقفت صحافية شابة الرئيس مبارك صائحة: يا ريّس يا ريّس، والرئيس مبارك كان يسير والى جانبه الشيخ صباح الأحمد الذي كان رئيس القمة السابقة وأنا، وسألَته ماذا تتوقع بعد ثورة تونس؟ أجابها الرئيس السابق تونس شيء ومصر شيء آخر ودخلنا القاعة.
أنا قلت في خطابي إن ثورة تونس ليست بعيدة عن هنا يا سيادة الرئيس وهاجمني حينها عدد كبير من أعضاء النظام والوزراء. وقلت لهم تعتقدون أن الثورة بعيدة، الثورة ستحصل في مصر. قلت في كلمتي: يا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو إن النفس العربية منكسرة، إن المواطنين يعانون من القمع يعانون من الفقر… وكانت كلمتي قاسية جداً وكانت من إرهاصات الثورة، وكانت تلك آخر مرة ألتقي فيها الرئيس السابق وكنا نجلس متجاورين على المنصة الرئيسة: رئيس القمة السابق (الشيخ صباح الأحمد) ورئيس القمة الجديدة (الرئيس السابق) والأمين العام للجامعة العربية، والطريف أنه بعد انتهاء كلمتي كان رد فعله أن سألني نقدر نشرب قهوة هنا على المنصة، قلت طبعاً وناديت مساعداً كان قريباً منا وقلت له اسأل الشيخ صباح الأحمد يحب يشرب إي. وهات اتنين قهوة سادة للرئيس ولي وجلسنا نشرب القهوة صامتين وكانت حالة التوجس ظاهرة.
هل هناك شيء من الصحة في ما تردد أنك أبعدت عن وزارة الخارجية إعداداً للتوريث؟
– كثيرون يقولون ذلك ولكن قطعاً كان هناك توتر شخصي في ذلك الوقت إزاء وزير الخارجية الذي أصبح يعمل بأسلوب جمع حوله المواطنين وبالتالي تركزت عليه الأضواء والتوقعات، وأصبحت جميع الاتصالات مع دولة ما يجب أن تمر عبر وزير الخارجية أصبح صعباً الالتفاف من ورائه، بل أصبحت الدول تتواصل مع وزير الخارجية وتبلغه بما يحصل بالتفصيل خصوصاً عندما شعروا بمحاولة الالتفاف حول الخارجية. هذا حدث أكثر من مرة إذ جرت بالفعل اتصالات من ورائي فكانت الدول ترد إليّ مباشرة أو تطلب رأيي أو ترسل إلى سفرائنا بتفاصيل كثيرة فيبعثون بها إلي فور علمهم بالأمر ربما باستثناء الولايات المتحدة. أصبحت وزارة الخارجية مؤسسة كبيرة جداً ولها فروع وأصابع وأذرع واتصالات مع كل العالم على أعلى المستويات. وكانت الاتصالات الهاتفية لا تتوقف من أقصى البرازيل إلى اليابان ومن كل الدول. بعض أزكان النظام شعر بأن هذا توجه نحو خلق مركز قوة سياسية مهمة ذات ثقل دولي محسوس وكان هذا يغيظ بعضهم وربما انتقل إلى الرئيس نفسه.
هل تجزم بأن أحلام الزعامة التي راودت صدام حسين والقذافي وغيرهما لم تراود مبارك؟
– مبارك قماشة أخرى كان يعتبر «كل ده عَكّ» بمعنى كلام لن ينتهي على خير، وفضَّل النأي بمصر وكانت كلمته الأثيرة «نتفرَّج» على ما يحدث، فالقذافي أراد تزعم أفريقيا وأفسح له مبارك المجال. لم يكن مبارك مستعداً أن يتحدى سورية في لبنان، كان ذلك خارج حساباته تماماً. والأمور في فلسطين استقرت على تفاهمات على خطوط معينة مع ياسر عرفات وكان يعرف ما يريده الأميركيون. مبارك كان زعيماً مهادناً وربما انسحابياً في بعض المسائل على عكس ما كنت أراه حيث إن المسألة لم تكن فقط «عك» بل هناك شق سياسي يجب متابعته بل كان على مصر مواجهة هذا «العك» وضبط الأمور وهو ما نجحت فيه مصر حتى نهاية التسعينات وفشلت فيه بعد ذلك.

في الحلقة القادمة يتحدث عمرو موسى عن صدام حسين ومبادرة الشيخ زايد

المصدر: الحياة

Brochure MOIMA Annonces1 Brochure MOIMA Annonces1

Exprimez vous!

CommentLuv badge