عمرو موسى: تمزيق سورية يفتح أبواب جهنم … (ح 3)

حاوره غسان شربل /

يستبعد عمرو موسى تمزق سورية إلى دويلات طائفية بولاءات عابرة للحدود، معتبراً أن من شأن ذلك أن يفتح أبواب جهنم في المنطقة. ويرى أنه كان من الأفضل لو اقتدى الرئيس بشار الأسد بالرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذي غادر السلطة وبقي في البلد، ويلاحظ أن وقت مثل هذه الصيغة قد فات وأن لا مخرج في سورية إلا بانتخابات حرة وتغيير شامل. وهنا نص الحلقة الرابعة:

> متى كان لقاؤك الأخير مع الرئيس بشّار الأسد؟

– آخر لقاء كان في قمة سرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2010.

> هل كنت تتوقع أن يصل الربيع العربي إلى سورية؟

– أنا كنت أتوقع أن يحدث تغيير انفجاري في العالم العربي من منطلق أنه يستحيل منطقياً أن يكون العالم العربي وحده متخلفاً عن كل المسيرة العالمية. إنه منطق الأمور. كنت أتوقع هذا التغيير ولذلك، تقدمت في آذار (مارس) عام 2004 في قمة تونس بورقة «الإصلاح والتغيير في العالم العربي»، واعترض البعض على كلمة الإصلاح، تحدثت فيها عن حقوق الإنسان والشفافية والديموقراطية وحقوق المرأة وإعادة النظر في نظم التعليم ومناهجه، وبسببها أساساً مع أسباب أخرى انفجرت القمة ولم تُعقد وغادر بعض الرؤساء من دون أن يتقابلوا، ولكن عادوا للاجتماع في أيار (مايو).

في قمة تونس 2004 تمت مناقشة كل شيء، بداية بوثيقة «الإصلاح والتغيير في العالم العربي» وكذلك وثيقة العهد التي طرحتها المملكة العربية السعودية والتي تعكس موقف خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من ضرورة أن يفي الملوك والرؤساء بما يتفقون أو يتعاهدون عليه. طرحتها على مستوى وزراء الخارجية أولاً، وأنا اقترحت رسمياً اشتراك جامعة الدول العربية في معرض فرنكفورت للكتاب لأن دعوة كانت قد وصلتني وقبلتها من حيث المبدأ، وقلت إن هذا أعظم رد بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وتصوير العالم العربي وكأنه مليء بالإرهابيين والجهل المتفشي. قلت لا بد من المشاركة في أكبر معرض للكتاب في العالم بالكتاب العربي والعلم العربي والتاريخ العربي. وقام البعض بالاستفسار عن تكاليف المشاركة، والبعض الآخر قال إذا كان الأمين العام قرر هو قبول الدعوة فعليه أن يتحمل هو المسؤولية، أنا أصررت وقلت إذا لم تقرروا فسأعرض الأمر على القمة فنحن نتحدث في موضوع استراتيجي مهم جداً، ولا بد أن يشارك العرب في فعاليات الكتب ومنتديات الثقافة وهذا أهم من مشاركاتهم في المهرجانات غير المفيدة.

وكان هناك أيضاً نقاش يتعلق بالموقف من فلسطين والجو العام كان سيئاً جداً في تلك القمة. كنا نحاول إعداد البيانات مع الحبيب بن يحيى، وزير خارجية تونس، وهو شخص محترم جداً ومن أفضل وزراء الخارجية العرب طرّاً، ويبدو أن الأمور كبرت وتأزمت، ومشروع البيان يختلف عليه المعنيون ويعترضون، فشعر الرئيس بن علي بغضب كبير، ووُضعت صيغة تونسية للبيان، وقال بن علي إما توافقون عليها أو لا داعي للاجتماع. شعرنا بأن الوضع غير مرتب وكنا على مستوى وزراء الخارجية، وفجأة جاء بن يحيى وقال إذا لم يتم الاتفاق فلنؤجل القمة إلى وقت لاحق، وكان بعض القادة العرب بدأ بالوصول إلى تونس. وكلمني الرئيس بن علي تليفونياً وقال لي إنه يرى أن الوضع يشير إلى أننا لن نخرج بأي شيء من القمة وأنه يرى التأجيل وندرس متى يمكننا الاجتماع ثانية. قلت له أنا أيضاً أشعر بأن الوضع لن يؤدي إلى قمة نتفق فيها على شيء، إنما علينا أن نحدد فوراً موعداً آخر وأن لا نضيع الوقت ونتفق على جدول الأعمال. قال بن علي وهو كذلك. وباشر القادة بمغادرة تونس وسمعت تصريحاً من القاهرة أن مصر ستستضيف القمة بدلاً من تونس. توجهت فوراً إلى القاهرة وطلبت لقاء الرئيس.

ذهبت إلى الرئيس مبارك صباح اليوم التالي وكان عنده الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية المصري أحمد ماهر في اجتماع، فلما أخطر الرئيس بأن الأمين العام وصل دعيت فوراً للانضمام إليهم إذ كانوا يناقشون الوضع بعد تأجيل القمة. انضممت إليهم ووجدتهم فعلاً يناقشون ما حصل وهل تعقد القمة في القاهرة بدلاً من تونس، وسألني الرئيس مبارك رأيي. قلت يا سيادة الرئيس القمة البديلة يجب أن تُعقد في تونس وليس في مصر، وقال إن لديه التوجه نفسه، لأن بعض الأصوات دعت إلى عقدها في القاهرة في إشارة إلى أن الحديث كان يدور في هذا الاتجاه، وقلت إن هذا سيُحدث أثراً غير طيب فالقمة تأجلت ليس لتغيير مكانها وإنما تأجلت لإعداد أفضل لها. فوافق الرئيس، وقلت إذاً، أنا سأعلن أن مصر أبلغتني عدم موافقتها على عقد القمة في مصر بل تعقد في تونس. قلت إن علينا أن نحدد أيضاً الزمان وليس فقط المكان، وأنا سأسافر اعتباراً من اليوم التالي لزيارة الدول العربية. وأيد الأمير سعود كلامي بعدما أيَّده الرئيس. وبمجرد خروجنا من ذلك اللقاء وتصريحي بأن تونس هي مقر عقد القمة تراجع التوتر إذاً، لا توجد أي مؤامرة ولا أي منافسة وهذا سهل عليّ الأمر، وقلت إنني أقترح عقد القمة في أيار، وكان شهر نيسان (أبريل) على الأبواب أو كان بدأ يكون الشهر الفيصل الذي نعدّ فيه للقمة، وعقدت القمة في تونس وبنجاح كبير. وكانت تلك إحدى المشاكل التي قامت الجامعة العربية بمواجهتها بسرعة ولم يكن لدينا أي تردد في مقابلة الرئيس المصري مثلاً ولا أن نطلب ألا تُعقد القمة في مصر، يبدو أن مثل تلك الأمور لم تكن تحصل، بالصراحة والسرعة التي كنا نعمل بها. ونجحت القمة في أنها أصدرت وثيقة العهد ووثيقة التطوير وكانت مسألة مهمة جداً، وأعيدت بعدها تركيبة المجلس الاقتصادي والاجتماعي وأصبح دوره حاكماً بالنسبة إلى كل منظمات الجامعة العربية. وكذلك أنجزنا مجلس الأمن العربي الذي لم يكن فعّالاً كثيراً ولكنه أصبح موجوداً، وخففنا المنظمات العربية ورفعنا موازنة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

أما عن توقعاتي بالنسبة إلى سورية و «الربيع العربي» فأنا اعتقدت بنظرية الأواني المستطرقة بالنسبة للجمهوريات العربية. انظر ما حدث في تونس والذي انتقل في أيام قليلة إلى مصر فاليمن وليبيا، فكيف لا تنضم سورية إلى هذه القافلة؟

> هل هناك خطر من أن تتمزق سورية إلى دويلات نظراً إلى خبرتك في الجامعة العربية ومتابعتك للأحداث ومعرفتك باللاعبين؟

– هناك مثل هذا الخطر، إنما يدحض هذا الخطر خطورة النتائج والفوضى العارمة التي قد تترتب عليه، إذا انضم العلويون إلى العلويين في أي منطقة ضمن الشرق الأوسط والشيعة إلى الشيعة والسنّة إلى السنّة والتركمان إلى التركمان والكرد إلى الكرد سنفتح أبواب جهنم، ولا أعتقد أن من مصلحة أحد أبداً أن تتمزق سورية، وليس في مصلحتنا نحن العرب أن تتمزق سورية، وأعتقد أن الدول الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية ترى الرأي نفسه.

> هل هناك مجال للتسوية مع بقاء بشّار الأسد؟

– بعد آلاف الضحايا والدم الذي سال لا أظن ذلك ممكناً، كيف سيحكم وكيف سيتحدث عن المصالحة السورية وعن الشعب ومصالح الشعب بعد الذي حصل؟ لا بد من وضع جديد، منطق الأمور يؤكد هذا.

> لو عرض عليك الآن القيام بوساطة في سورية هل تقبل توليها؟

– لا أعتقد أن الوساطة الآن لها أي فاعلية إلا إعطاء الانطباع بأن جهوداً دولية وعربية تبذل للحل وأن النشاط مستمر طبقاً لخطة وسياسة قائمة وهو ما يجافي الحقيقة، وأسباب فشل مهمة كوفي أنان معروفة وحاضرة. لا مناص من تأكيد رسالة جماعية: يا سيادة الرئيس لا يمكن الاستمرار لأن الوضع لن يستقر ولا يمكن العودة إلى ما كان. في مرحلة سابقة تمنيت لو أن الرئيس الأسد اقتدى بالرئيس علي عبدالله صالح لكن هذه الصيغة فات أوانها الآن ولا بد من تغيير شامل.

> إذا افترضنا أن بشّار الأسد طلب منك الآن نصيحة كصديق، بماذا تنصحه؟

– السؤال سهل والإجابة صعبة إنما قبل أن أنصحه لا بد أن نرتب الأمور عربياً وأن يُعقد اجتماع عربي رفيع المستوى لبحث إمكان توفير أو تأمين إقامة الأسد وأسرته وضمان حياة مستقرة لهم، وثانياً أن يتم تفاهم عربي – أميركي وتفاهم مع الدول الفاعلة الأخرى (أوروبا وروسيا وتركيا) لضمان الشيء نفسه إذا أقام بشار في أي دولة عربية. وأن يكون كل ذلك في إطار زمني محدد، أي عرض مضمون لمدة شهر، وأنصح الرئيس السوري بقبول هذا العرض. سبق وعاش لدينا في مصر ملوك ورؤساء وزعماء كثيرون على أن لا يعملوا في السياسة.

> شخص يكون رئيساً فيصبح رئيساً في المنفى؟

– ولم لا؟ وهل هو أولهم؟ طالما سيُعامل باللباقة اللازمة وتؤمن له الحماية ليعيش مع عائلته، هذا على رغم المرارة التي يجب تخطيها حقناً للدماء، أنا أفكر في حل ديبلوماسي.

> لو كنت مكان بشّار الأسد ماذا كنت تفعل؟

– أولاً، ما كنت أسَلتُ أنهاراً من الدماء لتفصل بيني وبين الشعب إلى الأبد. الضحايا تصل إلى أكثر من 35 ألف ضحية، فتخيل كم من العائلات والأصدقاء والجيران والمتعاطفين بين الضحايا، هنا انفصمت العلاقة بين الشعب والحكم بما لا يترك مجالاً للصلح أو الثقة في النظام، ولذلك العلاج يكون بالديموقراطية. أنا أؤمن بطبعي بالديموقراطية ولا أؤمن بالديكتاتورية. إن زمن الديكتاتوريات ولى، على رغم أنها في زمن مضى كانت موجودة كجزء من النظام الدولي، إنما الآن لا مكان للديكتاتوريات ولا مكان لفرض الرؤساء، ومن يُقدم على هذا فسيفشل ويدفع الثمن من دون شك، فنحن في عصر مختلف، والواقع أنه إذا كان بشار يعتقد أنه يستطيع تكرار تجربة والده في حماة فهو مخطئ خطأ كبيراً. الزمن غير الزمن وهو ليس والده.

ثانياً، بالنسبة إلى سورية، أرى أنه لا يمكن التفاوض على أساس إبقاء بشّار الأسد وأن يتولى بعض المعارضين بعض الوزارات مثلاً، فهذا حل سهل بل ليس حلاً لأنه يتجاهل ما حدث، وهو أمر لن تقبله قوى كثيرة في سورية. الحل هو أن يغادر بشّار الأسد وتُجرى انتخابات ويأتي مجلس نواب جديد ينتخب رئيساً جديداً وهكذا. لا أرى حلاً غير هذا: حلّ البرلمان وإجراء انتخابات جديدة تحت إشراف دولي تأتي بحكومة جديدة قائمة على نتائج هذه الانتخابات الديموقراطية. لا بد من انتخابات ديموقراطية تحت إشراف دولي وتُنتج ما تُنتج وتتشكل حكومة، ويغادر بشّار بعد أن يكون ترك سورية على الأقل وفيها نظام يستطيع أن يتدبر شؤونه. لا أنصح الرئيس السوري بالهرب بليل، بل أن يرتب الوضع ويغادر إلى دولة عربية، بدل أن يتوجه إلى روسيا أو الصين مثلاً، ويعيش كمواطن عربي عادي. مصر مثلاً استضافت الرئيس جعفر نميري بعد مغادرته السودان والكثير من الزعماء من المغرب والمشرق، وكانت مصر دائمة مضيافة من دون أن يشكل هذا موقفاً لمصر مع أحد أو ضد أحد. إنما مصر ترحب بالكل باعتبار أن دورهم انتهى ويكون ذلك جزءاً من الحل.

> ما هو الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه بشّار الأسد في علاقاته العربية؟ هل قلَّل من أهمية مصر والسعودية؟

– نعم، إنه أعطى أهمية أكبر لإيران. ربما كان هناك شعور بوجود تنافس معين بين دمشق والقاهرة، وأن الوضع ليس بالضبط على ما كان عليه سابقاً بين مصر والسعودية، وأن هناك حالة قلق بين دمشق والرياض، إنما هذا كله كان يمكن التعامل معه لو كان هناك انفتاح وصراحة وخصوصاً بين مصر وسورية وكان هناك تفهم سوري للسياسة السعودية. ولكن الأهم من ذلك وفي ما يتعلق بحركة التغيير العربية، اعتقادي بأن سورية لم تقدر الأمور حق قدرها بعد انتصار الثورة في مصر وتونس وغيرهما، وقللت من أهميتها، أي لم تتفهم حركة التاريخ بدقة وتتحسب لها، بل ربما أصاب دمشق الغرور إزاء ما اعتبرته هشاشة النظام في مصر وصلابته في سورية، وهذه النقطة بالذات فيها تفاصيل كثيرة. وأضيف إلى هذا انحصار الديبلوماسية السورية في إطار ضيق يتعلق بسورية وما حولها فقط من غير الانفتاح الإقليمي والدولي لشرح مواقف سورية السياسية، موقفها من إسرائيل مثلاً، كانت هناك أمور كثيرة غير واضحة. ربما كان الخطأ الاستراتيجي الكبير تضييق السياسة السورية لتغطي موضوعين أو ثلاثة فقط، وعدم إيلاء أهمية لمواضيع أخرى. أي التركيز على الموضوع اللبناني و «حزب الله» والبعد الإيراني ودخولها في هذا الحلف الذي أدى إلى التأثير في دورها العربي، إلى درجة التفكير: أنت معنا (العرب) أم معهم (الإيرانيون)؟ ولو أنني شخصياً كعمرو موسى وكأمين عام للجامعة العربية سابقاً وكوزير خارجية مصر سابقاً لا أرى أن نتعامل مع ايران من منطلق أن نفترض أنها عدو. أرى أن نتعامل مع إيران على مبدأ أنها واحدة من دول المنطقة، ليست عربية وإنما إسلامية، ولكن بيننا وبينها خلافات جذرية ولا بد أن نجلس ونتحاور معها. أما أن ندخل في حلف معها وفي هذه الظروف فأمر يجب أن يُعاد النظر فيه، أو على الأقل إعادة النظر في أبعاده، فسورية دولة عربية وعليها أن تهتم بحل المشاكل في البحرين وأن تهتم بحل المشاكل في العراق وأن تهتم بحل المشاكل مع دول الخليج وأن تهتم بحل المشكلة مع الإمارات والجزر الإماراتية وهكذا، طالما لها هذه العلاقة مع إيران، أما أن تكون هذه العلاقة من دون أي مردود عربي فهذا يدعو إلى النظر في حقيقة السياسة السورية.

> هل تعتقد أن القيادة السورية حاولت أن تكون الضلع العربي في مثلث إيراني – تركي – سوري كبديل للمثلث السوري – السعودي – المصري؟

– ربما داعبت أذهان بعض المسؤولين السوريين مثل هذه الفكرة وأنا سمعتها أو استشعرتها، إنما لم يكن من الممكن تركيا أن تحدد دروها بأن تكون جزءاً من المحور الإيراني – السوري، لم يكن هذا ممكناً أبداً لأن تركيا لديها سياسة كبيرة حيال العالم العربي والشرق الأوسط. وكذلك هي جزء من التحالف الغربي (حلف شمال الأطلسي) وباعتبارها دولة كبيرة في البحر المتوسط لا يمكن أن ينتهي بها الحال أن تصبح فقط ضمن مثلث تركي – إيراني – سوري ضد بقية الدول. هذه الفكرة إذا كنت أعتبرها طائرة فإنها لم تكن لتستطيع أن تقلع أبداً.

> أريد أن أذكر أسماء بعض وزراء الخارجية لأسمع انطباعاتك عنهم كونك تعاطيت مع عدد كبير من وزراء الخارجية العرب. كيف تصف لنا علاقتك مع الأمير سعود الفيصل وتعاملك وتعاونك معه؟

– الأمير سعود الفيصل من أفضل الشخصيات التي التقيت بها، سواء سعودية أو عربية أو غيرها، لأنه رجل عاقل رفيع المستوى في ثقافته وفي تصرفاته، ولذلك أكنّ له كل تقدير للعلاقات التي ربطتنا. علاقات العمل انتهت الآن إنما ما زلت أقدر جداً دوره الوازن في الديبلوماسية العربية، وأقدره هو شخصياً.

> تعاطيت مع وزير خارجية صاخب هو الشيخ حمد بن جاسم.

– تعرفت إلى الشيخ حمد بن جاسم عندما كان وزيراً للشؤون البلدية والقروية في قطر، وكان له بعض المهمات الديبلوماسية التي توكل إليه. وجدته شخصية ظريفة ذكية نشيطة، وهذا خليط هائل في تشكيل الشخص السياسي. طبعاً في قطر الشخصية الرئيسة والعقل المدبر هو الأمير حمد بن خليفة الذي هو شخصية ذكية للغاية ويعلم مدى قوته، وقلت له مرة إن قوتك يا سمو الأمير هي في الـsoft power فلم تعد أقدار الدول تُحدد بأحجامها بأنها دولة صغيرة أو كبيرة مساحةً أو سكاناً، بل الدولة التي تستطيع أن تسيطر على الـsoft power أكثر من غيرها وتدير أمورها بحنكة وحكمة، بمعنى الأموال والاتصالات والإعلام والانفتاح على العالم والثقافة تصديراً واستيراداً، فهم استوردوا الكثير من الثقافة: جامعات ومتاحف، وهذا كله نشاط.

حمد بن جاسم يعرف تماماً ماذا يريد ويأتي قاصداً النقطة التي تهمه فقط فتجده دائماً على عجلة من أمره يريد إنجاز الأمور وهو مستعد للعمل والتنفيذ وليس مستعداً للصياغات والكلام بل تهمه النتائج.

> قطر مزيج غريب ففيها قاعدة أميركية ولها علاقة ما مع إسرائيل وفي الوقت نفسه «حماس» وقناة «الجزيرة»، إضافة إلى القوة المالية وغياب الثقل السكاني وأعبائه؟

– هذا ما قصدته بالـsoft power والشيخ حمد هو مَنْ يمثل هذا كله، ومهندس السياسة القطرية هو الأمير حمد بن خليفة والمهندس المساعد أو الطيار المساعد هو الشيخ حمد بن جاسم، والشخصيتان يمكنك التحدث إليهما بكل صراحة في أي موضوع. فعند طرح أي موضوع تحصل على موقف محدد سواء تتفق أو تختلف وينتهي الكلام، فهم أشخاص عمليون. ولم أشعر معهم بأنهم أتعبوني على رغم أننا اختلفنا في بعض النقاط، إنما ما زلت أقدِّر رغبة الشخصيتين في القيام بعمل ما لأهميته ولأنهما يريان ذلك. لذلك، حمد بن جاسم نوع جديد من وزراء الخارجية العرب.

> وتجربتك مع الشيخ عبدالله بن زايد وزير خارجية دولة الإمارات؟

– الشيخ عبدالله شخصية شابة صاعدة. مثقف ومتعلم يجيد التحدث بالإنكليزية بطلاقة، وكذلك يجيد التفكير بها، لديه آفاق واسعة في تفكيره. فهو مثلاً أول مسؤول عربي فكر في زيارة الدول الجزر في المحيط الهادئ. أنا أكبرت فيه ذلك جداً لأنه بادر بشيء لم يفكر فيه أحد غيره، ولديه الإمكانات الشخصية والمادية للقيام بذلك. وأكبرت فيه أيضاً أنه اتصل بي قبل قيامه بتلك الرحلات وأطلعني على نيته وطلب رأيي وما لدي من اقتراحات، فقلت له إن هذا شيء عظيم للغاية فتكون أول وزير خارجية عربي يزور تلك الدول وأرجو أن تثير معهم القضية الفلسطينية وأوضاع القدس وأن يكون تصويتهم في مصلحة الدول العربية بعد أن كان تصويتهم دائماً ضدنا، ونجح في ذلك. هو نموذج جيد واختيار جيد لمنصب وزير الخارجية في الإمارات، لديه دائماً المبادرة والقدرة على تنفيذها ولديه عدد من المستشارين الجيدين يقدمون إليه النُصح. وفي الوقت ذاته فتح قنوات الاتصال مع الجميع، من البيت الأبيض إلى الكرملين إلى أستراليا إلى كل الدول الأوروبية إلى دول آسيا، والحقيقة أنه شاطر جداً، لعله نموذج لما يجب أن يكون عليه وزير الخارجية: آفاق واسعة وقدرة شخصية على التصرف والكلام والطلاقة والإطلاع ثم قدرة مادية تسمح وخصال شخصية تحبب فيه أقرانه وزملاءه.

> تعاطيت مع وليد المعلم وزير الخارجية السوري فما هو انطباعك عنه؟

– وليد المعلم شخص ذكي لمّاح وطريف أيضاً، يحدّه أنه ليس طليق اليدين، فالأمير سعود الفيصل مثلاً لديه مقدار من حرية الحركة وكذلك الشيخ عبدالله بن زايد والشيخ حمد بن جاسم والكثيرون من وزراء الخارجية العرب، أما وليد فلا يتمتع بذلك وهذا ما حدَّ من حركته. إنما أقول إنه وزير خارجية كفوء يعرف ما يجب عمله، إلا أنه غير قادر على تنفيذ ما يريد. وليد منفذ جيد جداً لسياسة حكومة البعث ولكن لو كان يستطيع التحرك خارج هذا الإطار لتمكن من تحقيق الكثير وأن يفيد سورية أكثر.

> وتعاطيت قبل ذلك مع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع.

– فاروق الشرع شخص مختلف متحفظ جداً ومنغلق على نفسه لا يبدي الصداقة ولا يبدي الود ولا يبدي المرونة ويتمتع بشخصية «راسية» وكان له حضوره في اللقاءات العربية. لكن، دولياً لم تحاول سورية أبداً حين كان وزيراً للخارجية أن تكون جزءاً من المشهد الدولي. أعتقد أن هذا خطأ كبير جداً في السياسة والديبلوماسية السورية سواء خلال فترة الوزير الشرع أو أيام الوزير المعلم وإن لأسباب مختلفة بين الوزيرين، فالمعلم أقدر على الحركة، كانوا يستطيعون الاستفادة كثيراً لأن مجال المناورة كان مفتوحاً أمامهم.

> مَنْ من وزراء الخارجية العرب الآخرين ترك لديك انطباعاً إيجابياً؟

– عند ذكر وزراء خارجية الأردن فناصر جودة مثلاً رجل متميز مقدام كما سابقيه، كذلك ربطتني بعبد الإله الخطيب معرفة وثيقة وهو شخصية من الشخصيات العربية ذات الكفاءة العالية ولديه لفتات ولمسات إنسانية لطيفة، وأنا أعتقد أن أمامه دوراً كبيراً في الأردن، وصلاح البشير الذي تولى المنصب بعد عبد الإله الخطيب محامٍ متمكن وشخصية من الشخصيات الأردنية الحضارية. ناصر جودة كان شخصية مختلفة، نشط وحركته سريعة ويتمتع بشخصية جذابة تجمع المزايا العربية من الود والترحيب والكرم واللباقة، إضافة إلى مهنية عالية. ولا زلت أحتفظ بالكثير من العلاقات الوثيقة معهم ونتحادث هاتفياً باستمرار.

هوشيار زيباري وزير خارجية العراق شخصية ممتعة وهو كردي ومن أكفأ وزراء الخارجية العرب ويفهم الأمور وأبعادها وماذا يقول ومتى يصمت ومتى يثير ما يريد أن يثيره من مواضيع، وهو وزير خارجية وُفِّق فيه العراق. الحبيب بن يحيى وزير خارجية تونس السابق شخصية قديرة ذات كفاءة عالية تربطني به صلة صداقة لا زالت قائمة.

والحقيقة أن وزراء الخارجية العرب في السنوات الأخيرة وحتى الآن يمثلون مجموعة ذات كفاءة عالية. عاصرت وزراء كثراً أذكر منهم الشيخ محمد بن مبارك في البحرين وهو رجل ديبلوماسي محترم، والدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وهو جم النشاط قدير سريع البديهة لطيف المعشر، ولام أكول الذي خلفه ويمثل الفكر السوداني الموحد بين الشمال والجنوب، وعلي كرتي وهو من أركان الحكم الإسلامي، ووزير خارجية المغرب الفاسي الفهري واليمن أبو بكر القربي وعمان يوسف بن علوي، لا يمكن أيضاً إغفالهم أو إغفال أدوارهم.

الظروف اللبنانية أدّت إلى أن نجد وزراء الخارجية يسيرون في خط ورئيس الدولة يسير في خط آخر ورئيس الوزراء في خط مختلف، وتلك معضلة من المعضلات. في مراحل الخلافات الرئاسية والوزارية السنّية – الشيعية في لبنان ظهرت شخصية طارق متري وكان يمثل وزير الخارجية بالوكالة في كثير من المحافل الدولية، وهو مثَّل لبنان تمثيلاً جيداً جداً. وكان من الأشخاص ذوي الكفاءة العالية والصدقية الشخصية الذين كنت ألجأ اليهم لاستشارتهم في مسائل عادية لا علاقة لها بلبنان لأنه مهني بارع وقدم الكثير في الوقت الذي كانت تمر فيه الديبلوماسية اللبنانية بحالة شلل للاختلاف بين توجهات رئيس الجمهورية وتوجهات رئيس الوزراء وتوجهات رئيس مجلس النواب وتوجهات وزارة الخارجية.

أما عن مصر، فقد خلفني وزيران قبل الثورة، ووزيران أو ثلاثة بعد الثورة خدموا لفترات قصيرة جداً ولم يتمكنوا من إظهار قدراتهم السياسية لأنها كانت مرحلة انتقالية.

أما الوزيران اللذان خلفاني في وزارة الخارجية قبل الثورة أي أحمد ماهر وأحمد أبو الغيط فقد كانا يتمتعان بكفاءة عالية، إلا أن العهد كان حينها توجه إلى الانكماش وإلى عدم الخروج إلى الساحة مبارزاً ولا خطيباً ولا شاعراً، وهذا قلَّل من زخم الديبلوماسية المصرية في السنوات الأخيرة ولكن الوزيرين قاما بكل ما في استطاعتهما.

في الحلقة القادمة: حديث عن القذافي وعرفات

المصدر: الحياة اللندنية

Publicité

Mauritel

Speak Your Mind