موريتانيا تدخل مرحلة الغموض

تبدو موريتانيا هذا الأسبوع موزعة الاهتمام بين نواكشوط التي تستقبل الشتاء القارس والريح المحملة بالأتربة، وتنتظر نتائج “تأمل” زعماء منسقية المعارضة بعد دخولهم في “خلوة” تخطيط جديدة، وبين باريس حيث يتعالج الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز من آثار الطلق الناري الذي تعرض له في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي .

لا أنباء عن موعد عودة الرئيس ولا طبيعة المرحلة الحالية من علاجه، وقد انقطع الاتصال المرئي والمسموع بينه بين وبين الرأي العام لأكثر من 12 يوماً، ويبدو أن “ربيع الشائعات” يعاود الازدهار، وإن كان بنوار أقل هذه المرة .تبدو الساحة الموريتانية أمام مرحلة مقبلة غاية في الغموض، فأطراف الأزمة استنفدت الوقت المفترض للعبة، ولاتزال البلاد على كف عدم الاستقرار، فيما يرتفع منسوب الغضب لدى الشرائح المهمشة، وقد فرض مرض الرئيس حالة من الإرباك التام، ذلك أن منسقية المعارضة لم تقدم رؤية مقبولة للخروج من الوضع الراهن، والنظام بنخبته العسكرية والحزبية يواصل مناورة البقاء .

قبل عودته إلى باريس أحرق الرئيس ولد عبد العزيز الكثير من الأوراق التي أشهرتها منسقية المعارضة، فعملياً أجهز على فرضية الشغور، ودفع المعارضة إلى ساحة الموقف اللاأخلاقي، وأثبت أن أركان نظامه أكثر تماسكاً مما توقعه الكثيرون، كما كشف عن تراجع واضح في مستوى كسب حلفائه في المعارضة المحاورة، فالثمن هذه المرة ضرب خصومهم الداخليين، بدل منحهم حصة حكومية أو مكانة في تسيير الشؤون العامة . وبالتالي “تحلل” الرئيس من التزامات روح الاتفاق السياسي مع “قطب ولد بلخير”، ولم يبق أمام ذلك القطب إلا تجريب حظه في الانتخابات العامة المرتقبة عبر مشاركة “رمزية” في لجان الانتخابات و”اجتماعات الشاي” التي لا تتجاوز ثقة معنوية ظاهرة .

مراقبون كثر يرون أن “عبء” المعارضة المحاورة على النظام والالتزام السياسي والأخلاقي تجاهها لم يعد ثمنه يتجاوز تقديم “رأس” محمد ولد بربص رئيس حزب المستقبل ورفاقه إلى منافسيه في “حركة الحر” الذين يتزعمون قطب المعارضة المحاورة .

أما منسقية المعارضة الداعية إلى رحيل النظام فلم تترك أوراق الرئيس أمامها من خيار سوى تغيير شكل اللعبة والملعب ذاته، وهو لا يبدو أن سيتسنى بالأسلوب الذي يروج له خطاب المعارضة، خاصة بعد أن أظهر جنرالات نواكشوط أنهم ما زالوا يعتبرون “المعارضة التاريخية” بمثابة مفخخة لسلطة العسكر، بينما تدل كل المؤشرات على أن هؤلاء الجنرالات قطعوا شوطاً بعيداً في الاستحواذ على المداخيل الجديدة للاقتصاد بعد أن دخلت موريتانيا من بوابة الدولة المعدنية إلى عالم الشركات المتعددة الجنسيات، وهذا ما يفسر الوجهة التي سلكتها الثروات الهائلة التي تم استخراجها ويجري استغلالها منذ السنوات الأخيرة، وكان يفترض بها أن تضع الواقع المعيشي لسكان البلاد في مرحلة الاستقامة إن لم تكن الرفاهية . بقدر ما يعكس ذلك استهزاء النظام بمنسقية أحزاب المعارضة وفرض المزيد من التشدد على أنشطتها ومطالبها، فالنظام يعتبر أن المعارضة استنفدت مخزون ذخيرتها الحية، بعد فشلها في الثورة، ولم يعد أمامها سوى مرفقات الألعاب الصوتية التي لا يمكنها التأثير في أساسات النظام .

هكذا يبدو الانسداد في مساره العام على المستوى التنموي، وفي مساره الفرعي على مستوى التشاركية السياسية

 الشتاء من الموالاة

 حاولت منسقية أحزاب المعارضة الأسبوع الماضي النزول إلى الشارع للرد على تشدد الرئيس واستغلال عودته إلى تاخارج من أجل العلاج، ومرة جديدة عنونت المنسقية وجهتها ب”ساحة ابن عباس”، النسخة المحلية من “ميدان التحرير”، لكن كان الحضور الجماهيري لهذه التظاهرة مفارقة، إذ لم يتجاوز بضع مئات، بدل آلاف 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ويبدو أن الزعماء استغلوا توجيهاً أمنياً بعدم نصب الخيام في الساحة، وألغوا تظاهرتهم متحججين بتراجع السلطات عن الترخيص .

وسارع الزعماء المحنكون إلى التغطية على هذا الفشل بسيل من التصريحات المهاجمة للنظام والمتوعدة ب”رد مناسب” .

فسر المراقبون عزوف الجمهور عن تظاهرة “إنهاء الاستبداد” التي دعت لها المنسقية بعامل الطقس، فالآلاف من أنصار المعارضة لم يغامروا بتحدي البرد في ذلك المساء القارس، وتسبب ذلك بنزلة برد سياسية لنوايا زعماء المنسقية الذين آثروا الانسحاب المشرف والتخلي عن التظاهرة تفويتاً للفرصة على النظام الذي يبحث عن الفوضى والمناوشات .

ليست هذه المرة الأولى التي يخذل فيها الطقس المعارضة الموريتانية، لكن من شبه المؤكد أنها ستجعل الزعماء يراجعون نشرة الأحوال الجوية قبل أن يقرروا مباشرة “أحوال الشارع” بلغة أنصار النظام .

ولأن المسافة بين الفشل والإفشال معدومة في الخطاب السياسي الموريتاني، فقد بادر مجلس رؤساء المنسقية إلى عقد اجتماع طارئ، لبحث تداعيات تصعيد النظام وتشدده، ومحاولاته الإجهاز على حق التظاهر، وفق تعبيرهم .

وأكد مجلس الرؤساء في بيان للرأي العام عزمه على مواصلة النضال الديمقراطي من أجل رحيل النظام الذي وصفه بالفاسد، وقال إن تصرف السلطات تجاه نشاط المنسقية الأخير يؤكد طبيعة النظام الاستبدادية” .

ونبه مجلس الرؤساء الرأي العام الموريتاني والدولي إلى أن النظام بتصرفه بمنع التظاهر يعمل على خلق الفوضى وإثارة الفتنة ونعرات العصبية البدائية في البلاد .

وأوضح أن قيام الشرطة بإغلاق الطرق المؤدية إلى ساحة التظاهرة ومصادرة الأفرشة والمقاعد ومضايقة المناضلين، هي “محاولة مكشوفة لجرهم إلى الاصطدام والعنف والفوضى”، و”تمادياً في الأساليب الاستفزازية التي تعودوا عليها منذ استيلاء الجنرال محمد ولد عبد العزيز على السلطة في 6 أغسطس/آب 2008” .

وقال رؤساء المنسقية “إن النظام القائم لم يجد من رد على رفض الشعب الموريتاني له، سوى الأساليب التعسفية واعتماد نهج الاستفزاز لجر المعارضة إلى العنف، إضافة إلى مهاجمة رؤساء أحزاب المنسقية ورؤساء الدولة السابقين والصحافيين في منازلهم والتعريض بالعشائر والأفراد في الشوارع وعلى الأثير!” .

وجدد المجلس تأكيد المعارضة وعزمها على “مواصلة النضال الديمقراطي من أجل رحيل هذا النظام الفاسد الفاقد لأبسط خصائص الأهلية لحكم دولة كالجمهورية الإسلامية الموريتانية وشعبها المسالم الذي تميز بالمثل والأخلاق الفاضلة” . وأكد مجلس رؤساء المنسقية حرصه على أن يتم “ذلك الرحيل” بالطرق السلمية وبتجنيب البلاد أية مشكلات” . كما أعلن زعماء المعارضة أنهم سيتعاملون مع الظرفية الجديدة بما تتطلبه من حزم وعزم وأساليب نضالية مشروعة، محملين محمد ولد عبد العزيز ونظامه المسؤولية الكاملة عما سيترتب على خرقه للدستور وتعطيله لكل مؤسسات الجمهورية وتحريضه المستمر على الفوضى والعنف سبيلاً إلى بقائه في السلطة” .

وصعد زعماء المنسقية في نشاطات متعددة استغلال الوضع الصحي للرئيس، معلنين رفضهم تسيير البلاد عبر الهاتف . وشدد قادة المعارضة على أن الأعمال في البلاد وأشغال مجلس الوزراء عادت إلى التعطيل بعودة الرئيس للعلاج، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن ظهور الرئيس لا ينفي عجزه .

وقال أحمد ولد داداه، زعيم المعارضة، إن هذه الأخيرة لن تقبل في مجال الملف الطبي للرئيس سوى وجود كشف طبي موقع من طرف الأطباء الفرنسيين المشرفين على علاجه .

وشخص ولد داداه في حوارات صحفية متعددة، الوضعية العامة للبلاد أنها تشارف على الكارثة، وأن السبيل الوحيد لتلافي الأسوأ هو انتقال سلمي ديمقراطي توافقي .

 اختبارالشعبية

 من دون الخوض في جدل المراقبين والمنسقية في ملابسات التظاهرة الملغية، أهي مسؤولية الطقس، أم نتيجة لتوجه جديد لدى النظام نحو القمع، يبدو أن زعماء المعارضة الموريتانية بصدد تجديد تواصلهم مع قواعد أحزابهم السياسية .

فقد دشن المصطفى ولد بدر الدين، زعيم اليسار الموريتاني، سلسلة تظاهرات لحزبه في ولاية “العصابة” (وسط البلاد)، فيما تحرك زعماء آخرون للقاء كبار قواعدهم الشعبية، وأعلن زعيم المعارضة أحمد ولد داداه النزول للشارع وإلى “ساحة ابن عباس” في تظاهرة منفردة لحزبه (التكتل)، وذلك يوم الثلاثاء المقبل 18-12-2012 .

وفهم من هذه التظاهرة أنها استعراض شعبي للقوة الجماهيرية لأكبر أحزاب المعارضة وأقدمها (شكل ولد داداه تياره السياسي منذ عشرين عاماً) .

ويعتقد أن تظاهرة ولد داداه تدخل في جزئية مهمة من مخطط المنسقية الساعي لإبقاء جذوة “الرحيل” في الشارع، إذ تشير المعلومات إلى أن أحزاب المعارضة ستعتمد التناوب على مسيرات وأنشطة الرحيل إلى جانب المسيرات والتظاهرات والاعتصامات المشتركة .

ويحقق ذلك هدفاً مزدوجاً، فمن جهة سيعمل على إبقاء النظام مشدود العضلات الأمينة والسياسية، ومن جهة سيمكن كل حزب في المعارضة من استطلاع واقعه الميداني شعبياً، وهو إجراء مهم لأي قوة سياسية تخوض صراع الأزمة السياسية الحالية، وهو صراع قد يتحول في أي وقت وبشكل مفاجئ إلى صراع صناديق، حدث ذلك في جميع المنازلات الانتخابية الماضية، فكل منها جاء من مخاض عسير ل”أم معارك أزماتية” طاحنة، وهي الملاحظة الأولى لمراجعة الأرشيف السياسي لسنوات ،1992 ،1994 ،1997 ،2003 ،2008 2009 .

 شعار الرحيل يلفظ أنفاسه

 هل حان لأي محلل سياسي جريء أن يقول إن شعار الرحيل في موريتانيا يكاد يلفظ أنفاسه، وأن تصعيد منسقية المعارضة في الوقت الراهن، وبشكله الظاهر، ما هو إلا محاولات إنعاش لإبقاء شعار الرحيل حياً ولو إكلينيكياً؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم الإشارة إلى أن منسقية المعارضة الموريتانية تجد نفسها اليوم أمام سدود وتحصينات تمنع النفاد بطريقة مشرفة من ورطة شعاراتها التي تجاوزت السقف المعقول، فالرئيس يرفض الحوار والتشاور مع المنسقية، ويرفض مقترحات الحلول التي جاءت بها الوساطات، ويرفض أي شكل جاد من أشكال التنازل في ما يتعلق بتسيير انتخابات توافقية، ومن الواضح أن “لاءات” الرئيس المرفوعة في هذا المجال هي نتيجة منطقية لفشل المعارضة في ترجمة شعاراتها بعد أن رفضت التنازل في فورة “الربيع العربي” عن أي من “مزايداتها”، يقول محلل سياسي .

بل إن شيوع روح التعب واللامبالاة بين أنصار المعارضة، ولا ينطبق ذلك قطعاً على الصف الأول، يطرح أسئلة كثيرة على ضوء عدم مخاطرة “المناضلين” بالتعرض لنزلة برد . . يلاحظ مسؤول أمني .

أين سلمية منسقية المعارضة في الشارع من شراستها خطابياً في شعارها حول الرحيل؟ . . ما الذي استخلص منه الرئيس السابق العقيد علي ولد محمد فال النتائج التي دفعته إلى الجزم بأن نهاية نظام الرئيس عزيز، أو الضابط المتمرد، كما يصفه، باتت قريبة جداً؟ وما الذي دفع الرئيس ولد عبد العزيز إلى إغلاق كل منافذ الأمل في حل سياسي مقبول أمام المعارضة، في حين يتحامل الرئيس على آلامه من ثلاث عمليات جراحية، على الأقل، ويغامر بالخروج ليؤكد أنه حي يرزق؟

هذه التناقضات، وهذا الانسداد يدفع مراقبين للجزم بأن هناك مخاضاً عسيراً قد لا ينتهي إلا بعملية قيصرية، لا تخرج، وفق المعطيات الحالية، عن احتمال إجهاز طرف على الآخر، إما عبر نقلة نوعية في تشدد الرئيس تفضي إلى حشر المعارضة في زاوية أكثر ضيقاً، ومن ثم تصفيتها “انتخابياً” على طريقة نظام ولد الطايع، الذي لاتزال مدرسته السياسية والقمعية في هذا الإطار مرجعية معتمدة، وإما على طريقة النهايات المألوفة في التغيير الموريتاني، التي لا يستبعد أن يدفع اليأس أصحابها إلى “حادث عرضي” أو غير عرضي، وهو احتمال لم يغب يوماً عن أجندة أطراف الأزمة بغض النظر عن “سلمية” الطرح الذي يروجانه .

في انتظار عودة الرئيس الموريتاني من رحلته العلاجية الثانية، لا يمكن الرهان على أن الكثير سيتغير في نمط تعاطي كل الأطراف مع الأزمة القائمة .

 تأزم الموالاة

 بشكل مفاجئ، أعلنت هذا الأسبوع ثمانية أحزاب من الموالاة عن تأسيس قطب سياسي جديد أطلقت عليه “اتحاد قوى الأغلبية” .

ولم يخرج البيان التأسيسي والمؤتمر الصحفي لهذه الأحزاب، والذي جرى بحضور السفراء العرب، عن أدبيات الولاء لنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز وتثمين إنجازاته، وضرورة حمايتها وصيانتها .

إلا أن خرجة هذا القطب السياسي و”تميزه” في ائتلاف جديد عن ائتلاف أحزاب الموالاة ينبئ بمستوى شعور عشرات الأحزاب في الأغلبية الرئاسية بالتهميش الذي تتعرض له سواء من طرف الحزب الحاكم في إدارته لسياسة قوى الأغلبية، أو من طرف النظام الذي تجاهل أغلب أحزاب الموالاة في استحقاقات التعيين والمكافآت .

ويأتي هذا القطب بعد أشهر من تشكيل ثلاثة أحزب من الموالاة لكتلة “الوطن”، التي تميزت بخطاب يحذر من تداعيات الأزمة السياسية وأعلنت دعمها لمبادرة حل توافقي يقوم على تشكيل حكومة ائتلافية، بل طرحت كتلة “الوطن” خطاباً أقرب إلى طرح المعارضة أو يطابقه باستثناء الخلاف على نقطة الثورة ورحيل النظام .

وكان الرئيس الموريتاني قد علق ملف المحاصصة في الحكومة مع أحزاب الأغلبية على النتائج التي ستحققها في الانتخابات العامة المرتقبة، وهو موقف لم يرض العشرات من قادة تلك الأحزاب التي رأت أن مأمورية الرئيس الحالية تكاد تنتهي من دون أن تحصل على ثمن لموالاتها، ودون أن تتمكن في الوقت نفسه من المنافسة على الجمهور المناوئ، بل إنها خضعت لتجفيف شعبي مدروس من طرف الحزب الحاكم .

إن تشكيل قطب موالاة ثالثاً من أحزاب الأغلبية الموريتانية يضع عبئاً آخر على الرئيس الذي يخشى من “رصاصة صديقة” تضرب تحالفه الحزبي أو ترفع فاتورة التعامل معه، وذلك في ظل تسريبات بعض زوار الرئيس الذين أكدوا عدم ثقته بأداء ائتلافه الحزبي، وهذا ما أسهم في قرار تأجيل الانتخابات التشريعية إلى حين توصل الرئيس بضمان ولاء القبائل، القوة الانتخابية الميدانية الضاربة، بدل الاتكاء على ولاء أحزاب “بيانات الإنترنت” .

المختار السالم

Publicité

Mauritel

Speak Your Mind