موسى فال: توقعنا انفراجاً سياسياً بعد حادثة 13 أكتوبر لكن آمالنا خابت


قال موسى فال؛ رئيس حزب الحراك الديمقراطي وعضو مجلس رؤساء منسقية المعارضة، إن جميع الموريتانيين، خصوصا الطبقة السياسية ، قد توقعوا حدوث انفراج سياسي في أعقاب حادثة 13 أكتوبر، يفضي إلى تبني نهج جديد في تسيير شؤون البلاد واعتماد خطط وأساليب جديدة لمعالجة الأوضاع القائمة التي هي السبب في حالة الاستياء العامة التي تعيشها البلاد، لكن « الآمال في ذلك خابت، للأسف، مع عودة الرئيس من رحلته العلاجية إلى فرنسا، حيث صرح في مقابلة مع « جون آفريك » بان أي شيء لم يتغير؛ لا في رؤيته للحاضر و المستقبل، ولا في تسييره للبلد، ولا في علاقاته مع الآخرين، وقد تبين ذلك جليا في سياسته الاقتصادية وفي تعامله مع المؤسسات الدستورية ».

وأضاف موسى فال، في مقابلة مع موقع « تقدمي »، أن « تعامل ولد عبد العزيز مع المؤسسات الدستورية، فيظهر بصورة جلية أنه تعامل ينم عن احتقارها وتجاهلها ».

وقال فال إن « من الأكيد أن دولة ليست مبنية على مؤسسات دستورية قوية لن تتقدم، وهذه الحالة غائبة اليوم في موريتانيا، نتيجة لعدم تنظيم الانتخابات التشريعية و المحلية في وقتها وتأجيلها من طرف واحد، رغم أنه كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بين النظام و الفرقاء السياسيين علي تحديد موعدها في أجل توافقي يتماشى مع الدستور، الشيء الذي لم يحدث مع الأسف! »

وفي ما يلي يعيد « الوطن » نشر المقابلة كما أوردها موقع « تقدمي »:

الاقتصادي والسياسي البارز موسى فال، رئيس حزب الحراك الديمقراطي وعضو مجلس رؤساء منسقية المعارضة، هو أحد الخبراء الأقتصاديين والشخصيات السياسية، ذات الرؤية التحليلية الثاقبة، والتي تتميز بسبرها أغوار الحياة السياسية بعمق وبعد نظر.. نادرا ما يحب الحديث للصحافة، غير أن جواهر حديثه تتحدر دررا اقتصادية وسياسية، كلما فاه ببنت شفة.. حاورته تقدمي في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، لتخوض معه غمار الواقع الاقتصادي والسياسي لموريتانيا، فكان لها معه الحوار التالي:

« تقدمي »: السيد الرئيس، كيف ترون موريتانيا بعد الـ 13 اكتوبر؟

موسى فال: في أعقاب حادثة 13 أكتوبر توقع جميع الموريتانيين، خصوصا الطبقة السياسية حدوث انفراج سياسي، يفضي إلى تبني نهج جديد في تسيير شؤون البلاد و اعتماد خطط و أساليب جديدة لمعالجة الأوضاع القائمة التي هي السبب في حالة الاستياء العامة التي تعيشها البلاد. إلا أن الآمال في ذلك خابت، للأسف، مع عودة الرئيس من رحلته العلاجية إلى فرنسا، حيث صرح في مقابلة مع « جون آفريك » بان أي شيء لم يتغير؛ لا في رؤيته للحاضر و المستقبل، ولا في تسييره للبلد، ولا في علاقاته مع الآخرين، وقد تبين ذلك جليا في سياسته الاقتصادية وفي تعامله مع المؤسسات الدستورية.

فعلي المستوى الاقتصادي، تمثلت أولى خطواته في تدشين مشروع بناء محطة للكهرباء. و إذا ما أنجز هذا المشروع في الوقت المبرمج له فسيتضح لاحقا، أنه على غرار مشاريع أخرى قيد الإنجاز، غير مبرر، لا بالحاجة الاقتصادية ولا المسوغات الفنية؛ لأنه سيجعل سعة الطاقة المتوفرة تبلغ في نواكشوط 321 ميغوات خلال أربع سنوات (2016)؛ في حين أن الحاجة القصوى ستكون 158 ميغوات، مما يعني وجود فائض كبير في الطاقة، وهو ما يؤكد أن إنجاز هذا المشروع خطأ اقتصادي، لان كلفته تصل إلى 150 مليون أورو، ستكون عبئا جديدا على المديونية، و ستضاف إلي ذلك تكاليف التسيير والصيانة، التي ستشكل، بدورها، عبئا إضافيا علي الدولة؛ لان شركة « صوملك » لا قدرة لها علي تحملها.

وهناك مشروع الشامي المقام في منطقة خالية من السكان تماما، ولا حاجة تدعو لإنفاق مبالغ طائلة من المال العام في إقامة مدن جديدة؛ إذ الأحرى الاهتمام بتغيير الوضعية المزرية للمدن و التجمعات القائمة. فهذا تبذير واضح للإمكانيات. و ينضاف إلي هذه اللائحة من المشاريع الباهظة التكاليف ومحدودة الفائدة، سوء البنية الاقتصادية، التي تسبح عكس الرؤى الاقتصادية السائدة اليوم في العالم، حيث أثبتت التجارب وما توصل إليه تطور الفكر الاقتصادي من أن النمو الاقتصادي لا يتحقق إلا بالاعتماد على القطاع الخاص، في إطار سياسة إشراف ممنهجة من الدولة.

وهذا ما تخالفه السياسة الاقتصادية المتبعة اليوم في موريتانيانا، بإنشائها و تركيزها علي العديد من شركات الدولة، التي لا تنتظر منها نتائج اقتصادية ذات مردودية على المواطن، لأن طبيعتها و تسييرها مضرة بالاقتصاد وخاصة قطاعاته المنتجة، لأن هذه المؤسسات تدار من طرف موظفين خاضعين للسلطة، تمارس عليهم ضغوط قوية من المجتمع، و تقيدهم معايير تسيير تحول دون الحصول علي نتائج ذات فائدة كبيرة.

فإذا ما نظرنا إلي جميع المشاريع الكبيرة التي يجري إنجازها اليوم نجد أنها تنفذ، إما عن طريق مؤسسات الدولة أو تمنح للهندسة العسكرية، غير المعنية بأية صفة بالاقتصاد؛ وهذا سلوك اقتصادي نشاز، ستنعكس أضراره في النهاية علي الدولة، لأن خسارة هذه الشركات حتمية و ستتحمل مالية الدولة تلك الخسارة لأنها هي مصدر الإنفاق عليها.

و ما تجربة مشروع تزويد مدينة مقطع لحجار بالماء و ما شهده من تعثر ببعيدة منا. فإلي اليوم لم يصل الماء إلي هذه المدينة لوجود خلل فني يرجع إلى عدم توفر الهندسة العسكرية علي القدرة الفنية المطلوبة لتنفيذ هذا المشروع، من جهة، ومن جهة أخرى بسبب غياب رقابة من مكتب دراسات متخصص بإمكانه اكتشاف الأخطاء من أجل التغلب عليها في الوقت المناسب.

أما تعامل ولد عبد العزيز مع المؤسسات الدستورية، فيظهر بصورة جلية أنه تعامل ينم عن احتقارها وتجاهلها. و من الأكيد أن دولة ليست مبنية علي مؤسسات دستورية قوية لن تتقدم، وهذه الحالة غائبة اليوم في موريتانيا، نتيجة لعدم تنظيم الانتخابات التشريعية و المحلية في وقتها وتأجيلها من طرف واحد، رغم أنه كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بين النظام و الفرقاء السياسيين علي تحديد موعدها في أجل توافقي يتماشى مع الدستور، الشيء الذي لم يحدث مع الأسف!

أما البرلمان فهو موضع استهزاء لأن الكثير من مشاريع القوانين والعديد من النفقات لا تمر عن طريقه. وكمثال على ذلك: مشروع قانون تعديل الميزانية 2012 الذي يناقش اليوم في آخر السنة لتشريع نفقات سابقة، تم إنفاقها قبل مشروع قانون التعديل، أي الطبيب بعد الموت. كما توجد مبالغ كبيرة لم تدرج في الميزانية، منها 63 مليار من الأوقية توجد اليوم في خزينة الدولة، لم تظهر في ميزانية 2012 ولا في 2013 !

وهناك مشاريع أخرى لم تدرج نفقاتها في ميزانية 2013 من بينها طريق المذرذرة التي بدأت الإشغال في إقامتها تقريبا، ومشروع المطار الدولي، الذي يعتبر مشروعا عملاقا، لكن سقفه المالي لم يحدد و أبرمت صفقته، دون أن تمر بالبرلمان، بصورة انتقائية من طرف شخص يعتبر الدولة ملكا له، و بالتالي يتصرف فيها على هواه. و يبرهن عدم إدراج تكاليف هذه المشاريع وغيرها في قوانين الميزانية، وعدم عرضها علي البرلمان للمصادقة عليها، علي أن المؤسسات محتقرة؛ وكما قلت لكم من قبل، فإن دولة ليست لها مؤسسات بلا مستقبل.

ينضاف إلي ذلك تحطيم الإدارة بصورة كاملة؛ فالوزراء والمدراء ليست لهم أية صلاحيات ، و تعيين الموظفين لا تحترم فيه أبسط معايير الكفاءة و المقدرة.

يتبين مما تقدم، بما لا يدع مجالا للشك، أن نمط التسيير الحالي لموريتانيا ينطوي علي مخاطر كبيرة، وعدم معالجة هذا الوضع وتغييره في أسرع وقت، سيؤدي في ظرف غير بعيد إلي أزمات اقتصادية و مؤسسية كبيرة.

وهنا يجب التنبيه إلي أن الدول التي تعتمد اقتصادياتها أساسا علي الثروات الطبيعية السهلة الاستغلال مثل المناجم من الصعب عليها تطوير اقتصادها، نظرا لاتكالها علي الموجود؛ فاستغلال المناجم مثلا يستنزفها مع مرور الزمن، لأنها ثروات غير متجددة؛ ولتفادي الانعكاسات السلبية التي تنجم عن ذلك، اعتمدت بعض الدول تجربة إيجابية تتمثل في إنشاء صناديق يوجه إليها جزء من مداخيل الثروة المعدنية لإنفاقها في تنويع و تطوير الاقتصاد، كي لا يبقى مرتهنا لركيزة واحدة عرضة للنفاد. وهذه التجربة غائبة في موريتانيا، حيث يستهلك كل ما هو موجود في مشاريع غير مضمونة الجدوائية.

« تقدمي »: ما هو الحل المناسب في نظركم لهذه المشاكل التي ذكرتم؟

موسى فال: الحل يكمن في التغيير السياسي، لأن بناء الدول في هذا العصر لم يعد ممكنا إلا بالحكامة الرشيدة، وتلك مرتبطة بالديمقراطية، لأن من وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري سيعتمد في تسييرها علي من أوصلوه للحكم و اولئك الذين يؤمنون له البقاء، وسيتصرف على هواه إذا صادف هواهم، لان ليس لأحد عليه منة سواهم. أما من وصل للسلطة عن طريق انتخابات شفافة، فيتحتم عليه أن يكون مسئولا أمام ناخبيه، مما سيدفعه لمراعاة المصالح العامة للمجتمع، ويدقق في جدوائية برامجه وقراراته وكفاءات من سيسند لهم مهام التسيير والتنفيذ لأنه يدرك أن الشعب سيحاسبه.

وبناء الديمقراطية اليوم في موريتانيا علي أسس سليمة لا يمكن إلا بإقرار مرحلة انتقالية باتفاق جميع مكونات الطيف السياسي الوطني، يتم خلالها تهيئة انتخابات حرة ونزيهة؛ تكون نتائجها ملزمة للجميع. تلك الانتخابات لا بد من عاملين مهمين لإنجاحها؛ هما الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

أما الشفافية فلم تعد عقبة كبرى، لأن قواعدها و آلياتها أصبحت منتشرة الاستعمال، لكنها في موريتانيا مازالت تحتاج إلى العديد من الإجراءات التحسينية.

و فيما يخص تكافؤ الفرص، فهو التحدي الأكبر الذي يتحتم رفعه، فمن شهد استقبال ولد عبد العزيز الأخير، الذي تدخلت فيه الإدارة والمؤسسات وأقحم فيه رجال الأعمال المقربون من ولد عبد العزيز، الذين يستأثرون وحدهم بمنافع الدولة وهم وحدهم المتحكمون في تمويل أية انتخابات، إذا ما نظمت في هذه الأجواء.

و الأقرب من ذلك ما تلاحظه اليوم من صور مكبرة و لافتات و لوحات مضيئة على البنايات و المؤسسات العمومية و على جنبات الطرق تمجد « القائد الملهم »، مما يذكر بطقوس الأنظمة الاستبدادية و ما يميزها من عبادة الشخص و تقديسه كما لو كنا في كوريا الشمالية!

إن من يشاهد كل هذا يدرك أننا بعيدون من تكافؤ الفرص، فالدخول في منافسة مع هذه الآلية بإمكاناتها و هيمنتها على مفاصل الدولة يعد ضربا من الجنون، لأنها تتحكم مسبقا في نتائج أي استحقاق انتخابي مهما طبق عليه من قواعد الشفافية.

هذه هي العقبة الحقيقية اليوم في وجه الانتخابات.

ونحن بطبيعة الحال، كأحزاب سياسية مسئولة نتطلع، بالتأكيد، إلي مواجهة هذه المعضلة بنهج سلمي و أساليب ديمقراطية، مما يتطلب الصرامة و الجدية في النضال.

« تقدمي »: هل أزمة موريتانيا الاساسية اليوم اقتصادية أم سياسية؟

موسى فال: الأزمة الموجودة، هي بالأساس أزمة سياسية تستدعي حلولا مرضية قبل الشروع في أي استحقاق انتخابي بينما الأزمة الاقتصادية، حسب اعتقادي، ينتظر انفجارها بعد حين لأن ارتفاع أسعار المناجم دوليا و حصول بعض المداخيل الاستثنائية و إن كان بعضها مشبوه الأصول يضع الخزينة العامة في وضعية مريحة و إن كان ذلك لا ينعكس على حالة المواطن بفعل سوء الحكامة.

« تقدمي: تتفقون مع النظام في وصف الوضع الاقتصادي بأنه جيد، بما ذا تفسرون وجود وضع اقتصاد جيد مع وجود فقر منتشر؟

موسى فال: إنما تكلمنا عنه هو وضع الخزينة العامة. فهناك الحالة المالية وحالة الاقتصاد بصورة عامة. فالوضع المالي هو في حالة مقبولة إلى حد ما للأسباب التي ذكرت آنفا، لان هذا الوضع يتم تقييمه تناسبا مع حجم السيولة في الخزينة العامة و احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي؛ و فعلا فإن البنك المركزي و الخزينة العامة يصرحان بمستوى مقبول من السيولة. إلا أن مشكلة هذه السيولة، إن وجدت، تكمن في طبيعة استخدامها، فما الفائدة من هذه السيولة إن كانت مجمدة أو تسير في دورة ليست بذات نفع عام. و الذي يلاحظ اليوم أن ما يصرف من هذه الأموال موجه بطريقة انتقائية إلى نفقات تؤول في معظمها إلى بعض المستفيدين الخصوصيين، إما عن طريق منح صفقات مباشرة أو عبر التعامل مع شركات للدولة.

ومن أسباب محدودية المستفيدين اليوم من حركة السيولة المتوفرة التقليص العشوائي و المرتجل للنفقات الضرورية لسير الإدارة، مما له انعكاس سلبي على الخدمات العامة. فقد كان العديد من المؤسسات الصغيرة و المتوسطة، المصنفة وغير المصنفة، و كذا الأفراد، يستفيد و يفيد من تعامله مع الإدارة و امتداداتها. و شل عمل الإدارة و القضاء على هذه الفرص التي كانت مصدر عيش للكثير من المواطنين يفسر نسبيا ما نعيشه اليوم من تدهور في الحالة المعيشية و ما ينجم عنه من استياء.

« تقدمي »: الحكومة تستشهد علي رشد حكامتها بتقليص النفقات سنويا في ميزانيتها وأنتم تعتبرون ذلك أمرا سلبيا، كيف توضحون هذا التناقض؟

موسى فال: الدولة تضلع بالدور الأهم في الاقتصاد و طبعا فإن الإسراف في النفقات أمر غير محمود كما أن التقتير في الإنفاق على الضروريات أقرب للمفسدة، ولا تلجأ الدول للتقتير إلا في حالات العجز المجحف بالميزانية. وتقليص النفقات إذا لم يتحتم ينجم عنه تراجع في نمو الاقتصاد. إنما يجب القيام به هو التمييز بين النفقات المجدية التي تنعش الاقتصاد و تعود بالنفع على المجتمع و تلك التي لا طائل من ورائها و تعد إسرافا و فسادا. وعلي سبيل المثال: ميزانية 2013 شهدت تقليص النفقات علي قطاع التعليم بمليار ونصف، وهذا مستغرب في ظل نظام تربوي منهار و حاجته تتزايد إلى الموارد من أجل تحسين وضعه و الرفع من مستوى العاملين فيه.

« تقدمي »: في أي خانة من أنماط الاقتصاد العالمي تضعون الاقتصاد الموريتاني؟

موسى فال: السياسة الاقتصادية المنتهجة اليوم في موريتانيا تتميز بعودة الدولة إلى الاستحواذ على قطاعات واسعة من الاقتصاد، بإنشاء العديد من الشركات العمومية التي ستشكل يوما ما عبئا على الدولة و تحد من مجال النشاط الخصوصي في الاقتصاد، مما سيكرس هيمنة مطلقة للدولة على الاقتصاد بصورة كاملة، وهو أمر تم تجاوزه في معظم بلدان العالم.

« تقدمي »: موريتانيا طبقت في نهاية الثمانينات سياسة الليبرالية وتخلت عن العديد من المؤسسات واليوم تعود لتلك المؤسسات، ما هو تقييمكم لذلك اقتصاديا؟

موسى فال: هذا ما كنا نتكلم عنه وهو خطأ فادح، تتذكرون أن موريتانيا بعد مفاوضاتها مع البنك الدولي و صندوق النقد الدولي في الفترة ما بين 1991 و 1994 غيرت إستراتيجيتها الاقتصادية، مما فتح الباب لتطور ملحوظ للاقتصاد الموريتاني خاصة القطاع غير المصنف، و واكب ذلك إنشاء العديد من الشركات و المؤسسات في كثير من المجالات، مما أنعش السوق و مكن الدولة من التفرغ لمهامها التقليدية.

« تقدمي »: ما هو تقييمكم للسياسة المعدنية خاصة فيما يتعلق بالمدونة المعدنية ومنح رخص التنقيب؟

موسي فال: يبدو لي أن المدونة المعدنية الموريتانية ليست من أسوأ المدونات العالمية نظريا على الأقل؛ فهي قابلة للتحسين بمواءمتها مع وضعيتنا الخاصة، يجب علينا في هذا المجال أن لا نكون ديماغوجيين. علينا أن ندرك أننا لا نتوفر على الخبرة الكافية ولا الإمكانات التي تؤهلنا للقيام بالتنقيب وتسيير الشركات المعدنية، تستثنى من ذلك شركة اسنيم ذات التجربة الطويلة في ميدان الحديد، إنتاجا و تسويقا. لذلك، يجب أن تكون سياستنا المنجمية مشجعة للاستثمار وجالبة للممولين وجاذبة للشراكة.

ما يلاحظ هنا هو غياب الشفافية في منح رخص التنقيب وانتهاج الزبونية التي خلقت زمرة من السماسرة، لا خبرة لهم و لا علاقة بالميدان، الشيء المضر بالمصلحة الوطنية و المنفر للمستثمرين و الشركاء المهنيين.

كما أن الاتفاقيات المبرمة بين الدولة والشركات العاملة في هذا الحقل هدف لخروقات تتمثل في تدخل الدولة و ضغوطاتها في اكتتاب المسئولين و العمال بصورة زبونية و التعامل مع شركات للخدمات منتقاة بطريقة بعيدة عن التنافس. إن هذا السلوك له ثمنه، مما يجعل الشركات قد لا تتقيد بالالتزامات المتفق عليها و ذلك على حساب المصلحة العامة. و من اللازم أن يوفر لهذه الشركات مناخ يمكنها من القيام بعملها و يضمن للدولة استيفاء حقوقها كاملة غير منقوصة.

« تقدمي »: رئيس الجمهورية قال في مؤتمره الصحفي إنكم رفضتم مبادرة مسعود والبعض يتهمكم باستنساخها في مبادرة قدمتموها باسم المنسقية، هل هذا صحيح؟

موسى فال: القول برفضنا لمبادرة مسعود غير صحيح إطلاقا، فالمنسقية عندما تسلمت المبادرة قامت بتكثيرها وتوزيعها بمعدل نسختين علي جميع الأحزاب وكل التصريحات الصادرة عن هذه الأحزاب بشأنها إيجابية.

أما فيما يخص المنسقية، فقد اتصلت، فعلا، برؤساء العديد من الأحزاب السياسية من ضمنهم أحزاب « المعاهدة » الذين من بينهم الرئيس مسعود ولد بلخير وبينت للجميع ضرورة إجراء مشاورات بين كافة الأحزاب بهدف الوصول إلي اتفاق وطني يمكن البلاد من الخروج من أزمتها السياسية، مؤكدة في هذا الإطار على أن تلك المشاورات يجب أن تكون منفتحة علي جميع المبادرات والاقتراحات والآراء المطروحة في الساحة الوطنية أو التي يمكن أن تطرح مستقبلا؛

« تقدمي »: هناك شعور متنامِ لدي الرأي العام بتراجع شعبية المنسقية، ناجم عن خيبة لأمل في فاعليتها ويتهمها البعض بعدم الجدية في التعامل مع الأحداث الوطنية، بما تفسرون ذلك؟

موسى فال: المنسقية، منسقية موريتانيا عموما و وضعيتها تعكس الوضعية العامة للبلد ومدي استعداد الجماهير لتغيير هذا الوضع، فمن السهل توجيه النقد للمنسقية وتقييم أدائها علي أساس الشائعات و الانطباعات، و ذلك غير منصف ولا واقعي في نظري. فتقييم المنسقية يجب أن يكون علي أساس مدى مواكبتها لمستوى نضالية الجماهير الموريتانية، لأنها تساير أوضاع البلد، فإذا كان الرأي العام الوطني يريد منها أن تكون نشيطة في نضالها من أجل تغيير أوضاع البلاد، فعلي المواطنين أن يدعموها ويتواصلوا معها و يتجاوبوا مع أنشطتها، بدل أن يتقاعسوا عنها ويقولوا كما قال قوم موسى « اذهب آنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون »، فهذا غير منصف.

تقدمي »: حسب تجربتكم في أي خانة تصنفون النظام اليوم في موريتانيا ضمن خانات جميع الأنظمة التي تعاقبت علي البلد؟

موسى فال: أنا لا أصنف الأنظمة.

تقدمي: هل موريتانيا في نظركم، سبق أن عاشت وضعا سياسيا واقتصاديا وأمنيا أسوأ من حالتها اليوم؟

موسى فال: كل ظروف لها خصوصيتها، لا أريد أن أقدم مقارنة في هذا المجال، ما أعرفه أن الجميع اليوم مستاء من الأوضاع وغالبية الموريتانيين تطالب بالتغيير.

« تقدمي »: في حال قيام حرب في مالي في هذا الوقت الذي لا يوجد فيه إجماع وطني يعزز الجبهة الداخلية، ماذا سيكون انعكاس هذه الحرب علينا؟

موسى فال: يجب التنبيه إلى مسألتين جوهريتين في نظري، أولاهما أن حل أزمة مالي يتوقف في المقام الأول على الماليين دولة و شعبا، و ثانيهما أن الأزمة في مالي معقدة ومعالجتها تتطلب الإحاطة بأبعادها المختلفة و المتداخلة في ذات الوقت.

فالحل في تصوري يمر بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى يتم فيها حل أزمة السلطة في الجنوب بصفة توافقية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار، و يعاد بناء الجيش المالي ـ تدريبا و تسليحاـ و وضعه تحت إمرة الدولة المالية.

و في المرحلة الثانية تتم معالجة قضية وحدة مالي عن طريق الحوار بين السلطة المالية و المنظمات غير الإرهابية المؤثرة في سكان الشمال، خصوصا الحركة الوطنية لتحرير « أزواد » و حركة أنصار الدين؛ لأن هذه الأخيرة قد تكون مجبرة على إقامة علاقات مع تنظيم القاعدة. فلا مبرر لاستبعادها من الحوار ما دامت مستعدة للتفاوض وقابلة لفك الارتباط مع القاعدة و ما دامت مطالبها دينية بحتة أو محلية خالصة.

أما المرحلة الثالثة؛ فتخصص لمواجهة المنظمات الإرهابية في أوكارها في شمال مالي، و هو ما يستحيل تحقيقه دون تضافر جهود الجميع (سكان مالي الشماليين و الجنوبيين معا و في المقام الأول، و دول الجوار بما فيها موريتانيا و الجزائر و تشاد و النيجر…، ثم المجموعة الدولية).

فدور دول الجوار و المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا و مجلس الأمن و غير ذلك من الهيئات و المنظمات الدولية في الحرب ضد الإرهاب في شمال مالي يبقى دورا داعما، تتوقف نجاعته على إرادة الماليين في الانخراط في الحرب ضد الإرهاب.

و إذا ما تمت معالجة المشاكل المذكورة في المرحلتين الأولى و الثانية، و استنفدت جميع فرص الحوار و انعقد الإجماع الإقليمي و الدولي على الحرب ضد الإرهاب في شمال مالي، فإن بلادنا ستكون عندئذ مضطرة ـ لأسباب سياسية و أمنية و دبلوماسية ـ للالتزام بما يمليه واقعها الجغرافي و واجباتها الدولية، شأنها في ذلك شأن بقية دول الجوار، على أن يراعي هذا الموقف إمكاناتنا و ظروفنا الخاصة و علاقاتنا بمحيطنا و أن يكون مسبوقا بإجماع وطني يضمن انسجاما داخليا ويشكل ظهيرا للجيش و قوى الأمن الوطنية. فآفة الإرهاب تعني الجميع و تضر بمصالح الجميع.

« تقدمي »: في نظركم، ما ذا ستكون انعكاسات المنطقة الحرة التي أقرت في نواذيبو علي الاقتصاد الموريتاني؟

موسى فال: موريتانيا من البلدان التي يتراجع تصنيفها بين الدول المشجعة للاستثمار الخارجي، من سنة إلي سنة، حيث تحتل هذه السنة رقم 167 متراجعة بذلك عدة نقاط عن رتبتها السنة الماضية والاستثمار الخارجي أساسي بالنسبة لتطور الاقتصاد، خاصة في عهد العولمة الذي نعيشه اليوم والتي تفرض علي الجميع مواصلة التطور والانفتاح، فإذا كان إنشاء هذه المنطقة سيشجع هذا التوجه، فستكون إيجابية وإذا كان إنشاؤها من أجل خدمة مصالح ضيقة وحسب معايير غير مدروسة، فستكون عديمة النتيجة علي البلد.

أجري المقابلة: ماموني ولد مختار

Brochure MOIMA Annonces1 Brochure MOIMA Annonces1

Exprimez vous!

CommentLuv badge