الشعر الموريتاني من « الأعصار » إلى « الأندية » بقلم: الشيخ ولد سيدي عبد الله


وقد امتدت ظاهرة المنتديات الشعرية خلال العصور اللاحقة، فكان الخلفاء والأمراء يعقدون المجالس الأدبية في قصورهم، وقد شكلت تلك الجلسات مادة خصبة للكثير من المصنفات الأدبية، كالأمالي لأبي علي القالي، وجمهرة أشعار العرب، وغيرها من مصنفات القصص الأميري، وما يكتنفها من علاقة ملتبسة بين السياسي والشاعر.
وفي عصرنا الحاضر تغيرت مفاهيم المنتديات الشعرية، بحيث خضعت للمصطلح العمراني، فظهر الصالون بدلا من الخيمة، واتسعت مهمته لتشمل مجالات غير أدبية، كالسياسة والاقتصاد وقضايا المجتمع البنيوية.
وكانت النساء هن الأكثر إنشاء لهذه الصالونات، حيث ظهر صالون مي زيادة في مصر، والذي شهد القصائد الغرامية المشهورة لعباس محمود العقاد، كما شهد نقاشا للرسائل الغرامية بين مي وجيران خليل جبران، ثم ظهرت صالونات زينب فواز وهدى الشعراوي وباحثة البادية ملك حفني ناصيف، وبرزت مريانا ناصيف في سوريا وزهراء العابد زوجة محمد علي العابد، أول رئيس للجمهورية السورية.
أما في موريتانيا، فكانت المجموعات الشبابية المعروفة محليا بـ (الأعصار)، تقوم برحلات بين الأحياء لتنظيم المناظرات الأدبية، التي تشمل شتى الأعمار والطبقات، وتهدف إلى تدريب الشعراء الشباب والناشئين على استقامة النظم، والتعرف على جماليات القول الشعري، خصوصا وأن الشعراء سيمثلون أمام متلقين من مختلف المشارب المعرفية، وهم الذين سيقومون بدور الناقد والمنقح.
وكان شيوخ المحاظر يأخذون على عواتقهم مهمة قيادة تلك المناظرات، وغالبا ما كانوا يعقدونها بين طلبتهم، فيأمرونهم بالتباري في موضوع معين، وقد حفظت لنا الرواية الشفهية وبعض المخطوطات نماذج كثيرة من هذه المواقف .
ولأن الشاعر مرهون بوجود متلق تفاعلي، فإن ظاهرة (الأعصار) ظلت مستمرة في موريتانيا، وإن اتخذت تسميات أخرى، كالأندية والمنتديات والروابط والجمعيات.
ونذكر من بين هذه الأندية نادي (اشْكَيْكْ) وهو ناد أدبي ظهر بداية الثمانينات، وقد أنشأته جماعة من الشعراء، أغلبهم من منطقة (اشْكَيْكْ) المحاذية لمرتفعات (جوك) في الشرق الموريتاني.
وكان عبارة عن منتدى لقرض الشعر وإنشاده، وقد ضم العديد من الشعراء، كما ساجل الكثير أيضا، وفاضت بمدحه قرائح مختلفة.
ومن أعضاء هذا النادي : أحمد بن آدُّ الجكني، ومحمد عبد الله ولد الشيخ أحمد، والمختار ولد آمين، والطيب ولد محمد المامي، والشيخ ولد الشيخ أحمد وغيرهم.
وقد ضم كتاب (ثمرات الجنان في شعراء بني جاكان) مجموعة من قصائد أعضاء نادي (اشْكَيْكْ)، وكانت أقرب إلى المساجلات والإخوانيات، حيث تدور أغلبها حول النادي والشعر الذي ينشد فيه.
والحق أن تاريخ الصالونات الأدبية في موريتانيا بحاجة إلى بحث ودراسة، ذلك أنه يشكل خزانا أدبيا هاما، يمكن من خلاله تقصي المعايير النقدية، التي كان القوم يحتكمون إليها في تقويمهم.
ويبدو أن الأديب التونسي المعروف رشيد الذوادي‏ تنبه إلى ذلك، بحيث تناول التجمعات الشعرية الموريتانية في كتابه (المقاهي الأدبية في الوطن العربي) الصادر سنة ‏1999‏ عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة والذي قدم له الكاتب الكبير والروائي العالمي نجيب محفوظ .
لقد ساعدت المجلات والدوريات الثقافية في انتشار ظاهرة المجالس الأدبية، بحيث أصبحت هناك جماعة (مجلة شعر) في لبنان وجماعة (مجلة ابوللو) في مصر وأصحاب (الثقافة الجديدة) في المغرب، وغير هؤلاء في أوروبا كثير.
لكننا لم نشهد في موريتانيا جماعة أدبية، تتخذ من منشور ثقافي عنوانا لها، باستثناء جماعة ديوان (سطور حمراء) وهو ديوان شعري لبعض نشطاء حركة الكادحين، مثل أحمدو ولد عبد القادر ومحمدن ولد الشدو وفاضل والداه وغيرهم.
إلا أن هذا الديوان الذي جُمع من أعداد مجلة (صيحة المظلوم) لا يزال مخطوطا، وإن كان بعض شعرائه قد أصدروا دواوين خاصة بهم، إلا أن الكثيرين لم يفعلوا.
وكانت جريدة الشعب بين عامي 1979 و 1984 قد ساهمت في خلق إطار أدبي، ضم خيرة الشعراء والنقاد والروائيين والمسرحيين وغيرهم، إلا أن تلك الخطوة قد توقفت، بفعل عدم تخصص الصحيفة وارتباطها بالبعد التنموي للبلاد .
إننا بحاجة اليوم إلى تطوير مظان البحث الأدبي عندنا، بحيث ينبغي أن يتم تكليف طلبة الجامعة بانجاز بحوث غير تقليدية، تتنكب الطريق السابق، والقائم على جمع الدواوين والكتابة عن تاريخ الشخصيات، وتوجيههم نحو بنية الثقافة الموريتانية، والتي تتخذ من الأشخاص مجرد جزء من مكون ثقافي عام، وليسوا هم المحور والغاية، ومن هنا يمكننا أن نستبشر بميلاد نقد ثقافي متفرد.

Toute reprise partielle ou totale de cet article doit faire référence à www.rimweb.net

Brochure MOIMA Annonces1 Brochure MOIMA Annonces1

Exprimez vous!

CommentLuv badge