ديمي هذي، يا أخوتي، من هي؟ ي. الترابي


أقول هذه الكلمات كما قالتها ديمي تحت تأثير النغمات منيبة إلى الله ومقرة بقدرته وقدره.
ثم تتساءل فنانة الشعب والوطن عن « ليلى » في فم الفنان العظيم سدوم ولد أيده أبقاه الله لنا، متجاهلة في الوقت ذاته أنها هي ليلى الفن وأن الموريتانيين بجميع أعمارهم وألوانهم كانوا وسيبقون « مجانينها ».
ديمي هذي يا أخوتي لم تأت من فراغ فني ولم تولد في أرض جرداء من الموسيقى ولم تترب في فلاة من الشعر والغناء.
إنها ابنة المعلم الأول الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وأسهم أيما إسهام في بناء الدولة الموريتانية الحديثة سيداتي ولد آب الذي لحن النشيد الوطني على « تيدنيته » (الزماله) وغناه بصوته العذب فبقي رمزا للوطن والوطنية.
وهو أول من أدخل القيثارة إلى موريتانيا وعزف عليها مقامات « البيظان » وطوعها حتى أصبحت أختا توأمة للتيدنيت من دون استلاب ولا تحريف للأصالة.
وديمي العظيمة أمها الفنانة الكبيرة منينة بنت أيده سليلة الأسرة المتميزة، منينة التي صحبت سيداتي وواكبته في حله وترحاله عبر شتى محطات الفن والموسيقى ومختلف أنماط الغناء والأداء وكانت مصدر إلهام لا ينضب من تكانت إلى آفطوط الجغرافي ومن انتماس إلى آفطوط الفني.
ومن منينة إلى منينة، تربت ديمي على حسن الصوت وإتقان الأداء ونموذجية العزف والتلحين وذلك شأن من تكون على يد منينتين: منت أيده ومنت أعليه والدة زوجها الأول الملحن الكبير والناقد الفذ المرحوم سيمالي ولد همد فال.
ديمي لم تكن « لتخيب » كما يقول الحرفيون، لأنها بالإضافة إلى ما سبق حفيدة الفنانة المقتدرة كرمي بنت الزمل، إحدى ربات « أزوان » التي انفردت بحلاوة النغمة مع التحكم في مستوى الصوت والإيقاع.
ديمي، هذي، يا أخوتي، ولدت – رحمها الله – في أواخر خمسينيات القرن الماضي بإحدى بوادي منطقة تكانت.. وتربت في تلك الأوكار هضابا وسهولا وأودية وعيونا حيث جمال الطبيعة وانسجام الإنسان معها… وكانت لا تسمع إلا همس النخيل أو تغريد العصافير أو حكاية قصائد فصحى وشعبية أو دندنة طبل عهده بأهله وبالأرض قديم، من الرشيد لأشاريم، ومن احياك لأكجيم… كيف لا وهذه مواطن تغنى بها شعراء تكانت من كل جيل، من رعيل ولد آدبه وولد الكصري ومحمد بو سروال وإبراهيم ولد إبراهيم وولد سيد أم… إلى أتراب محمد ولد أج ولد باب وأحمد ولد أج وسيداتي والشيخ وسدوم أبناء آب!
لقد أصبحت ديمي منذ صغرها فنانة استجابت لأذواق الموريتانيين من كل الأعمار والأطياف لأن الظروف كل الظروف تهيأت لها كي تبرز فنانة متميزة، ومع أن ذلك لم يفت عليها، إلا أنها لم تغتر به بفضل ذكائها الثاقب وحصافتها النادرة. فأتقنت الموجود وأبدعت المفقود.
وقد حافظت ديمي بجدارة على هذا الموروث الأسري مضيفة إليه مزيجا من الظرافة واللباقة والبساطة ورفعة الأخلاق وأعجب بها كل من لقيها أو سمع بها.
لقد غنت فقيدة الفن للفقير قبل الغني وللوطن قبل المال وللقضايا العادلة قبل المصالح الضيقة، كما تبنت فن الآخرين من مختلف الفئات والشرائح فغنت مع بابا مال ويوسو اندور وأخذت من أغاني الرعاة في البوادي النائية وانسجمت مع الفلكلور الشعبي من « بنج » وغيرها حتى لا يكاد السامع يفصل بين صوتها وأصوات بنات لفظيل وبنات الفالي وبنات أسيساح وولد اعبيدهم في « اكصور » تكانت وآدوابه مناطق أخرى.
ديمي هذي، يا أخوتي، هي التي غنت لنصرة القضية الفلسطينية ولمناهضة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا ولمباركة الاستقلال وللتنمية والوطن والمُثل العليا.
ولم يجحد الشعب الموريتاني يوما فضل الفقيدة ديمي عليه ولا نخاله سينساها يوما. وهو الذي سطر اعترافه بالجميل على لسان فحول شعرائه وجهابذة نقاده ومثقفيه.
فتارة ديمي هي « زهرة الجيل المعاصر » كما سماها الأديب الكبير محمد ولد عبد الله، وتارة هي المنتصرة في ملحمة بنسج الملك همام، وطورا هي « الكوكب » الوهاج ، ومرة هي « الفتاة » مطلقا.
أما قدرتها الفنية وسيطرتها المحكمة على التوازن الذي زلت أقدام عديدة في محاولته، فقد اختزلها أحدهم معرفا فقيدة الشعب والفن والأدب:
« فتاة طورت لحنا قديما *** ففاقت في المطور والقديم ».
هذي بحق هي، يا أخوتي، ديمي . أدخلها الله فسيح جناته.
وإن فقدنا رؤيتها، فلن نفقدها في مشاعرنا كأفراد لنا وجداننا وذواتنا، ولن نفقدها في مشاعرنا كشعب لنا خيارتنا ومواقفنا. غير أنا لا نملك إلا أن نكرر بعدها، بل معها: « حسبي الحسيب، حسبنا الله ونعم الوكيل ».

Publicité

Mauritel

Speak Your Mind